«أسرلة» التعليم في القدس.. الاحتلال يصعّد فرض مناهجه ويستهدف المدارس والمعلمين

نناقش في هذا المقال قرارات الاحتلال الأخيرة، وأهدافه من تصعيد العدوان على قطاع التعليم، مع تسليط الضوء على بعض معاناة القطاع، وأهداف الاحتلال الكامنة خلف هذه الهجمة الممنهجة بحق المدارس في الشطر الشرقي من القدس المحتلة.
تتصاعد محاولات الاحتلال حسم كل قضايا القدس المحتلة، في سياق سعيه فرض سيطرته الكاملة على المدينة وسكانها، وفي قلب هذا الاستهداف الممنهج، تتصاعد محاولات الاحتلال «أسرلة» قطاع التعليم، وفرض مناهجه على مختلف المدارس في الشطر الشرقي من القدس المحتلة، ومع بداية العام الدراسي في القدس المحتلة، عادت محاولات الاحتلال للسيطرة على القطاع إلى الواجهة مجددًا، في سياق قرارات جديدة أدت إلى تعليق الدوام في المدارس على أثر الإعلان عن إضرابٍ شامل.
ونناقش في هذا المقال قرارات الاحتلال الأخيرة، وأهدافه من تصعيد العدوان على قطاع التعليم، مع تسليط الضوء على بعض معاناة القطاع، وأهداف الاحتلال الكامنة خلف هذه الهجمة الممنهجة بحق المدارس في الشطر الشرقي من القدس المحتلة.
الاحتلال يصعّد محاولات فرض المناهج «الإسرائيلية» في القدس
قبل الحديث عن التطورات الأخيرة، المرتبطة بقرارات الاحتلال، من المهم الإشارة إلى محاولات الاحتلال الحثيثة فرض مناهجه على المدارس في القدس المحتلة، ففي 28/ 5/ 2017م أقرت وزارة التربية والتعليم «الإسرائيليّة» مجموعة من الإجراءات ضمن خطة تمتد على مدى 5 سنوات قادمة، وكان الوزير حينها نفتالي بينيت.
وقضت الخطة بتوسيع استخدام المنهاج الدراسي «الإسرائيلي» في المدارس الفلسطينية في القدس المحتلة، وزيادة عدد الطلاب الذين يمكنهم الحصول على شهادة «البجروت»، التي توازي شهادة الثانوية العامة «التوجيهي» الفلسطينيّة، من 12% إلى 26%.
وبحسب المصادر، دأبت وزارة تعليم الاحتلال على تقديم حوافز اقتصاديّة كبيرة للمدارس الفلسطينيّة التي ستعتمد المنهاج «الإسرائيلي»، من خلال تمويل زيادة حصص التدريس وتوسيع برامج التعليم في المدرسة وتحسين البنية التحتيّة فيها، إضافةً إلى الميزانية الأصلية المخصصة لها.
واستطاعت سلطات الاحتلال تحقيق قفزة في أعداد الطلاب الفلسطينيين الملتحقين بمنهاج «البجروت» خلال العام الدراسي 2024–2025م حيث ارتفع عددهم إلى نحو 22966 طالبًا، وهو ما شكل حينها نحو 27% من مجموع الطلاب.
وبحسب معطيات رسمية من وزارة المعارف في حكومة الكيان حتى مايو 2025م، اعتمدت 39 من أصل 100 مدرسة في الجهاز الرسمي منهاج «البجروت»، إضافةً إلى اعتماد نحو 36 مدرسة أخرى هذا المنهاج في بعض الصفوف إلى جانب مسار الثانوية العامة الفلسطينية (التوجيهي)، في حين بقيت 25 مدرسة تعمل حصريًا وفق مسار التوجيهي الفلسطيني.
كيف توسّع الاحتلال في فرض المنهاج «الإسرائيلي» على مدارس القدس؟
ولم تكتف سلطات الاحتلال بالقفزات التي حققتها في فرض مناهجها خلال السنوات الماضية، فمن الواضح أنها تسعى إلى فرض منهاجها بشكلٍ كامل على كل المدارس الفلسطينية، وتبدأ بالمدارس التابعة لبلديتها في القدس المحتلة، فقُبيل بدء العام الدراسي الجديد 2026-2027م، فرضت سلطات الاحتلال المنهاج «الإسرائيلي» على أكثر من 45 ألف طالب فلسطيني (في الصفين الأول والسابع) ضمن المدارس التابعة لبلدية الاحتلال.
وبحسب مصادر عبريّة يشكلون نحو 38%، من نحو 120 ألف طالب فلسطيني، وبحسب صحيفة «هاآرتس» العبرية، يُشكل القرار سابقة، تحدث للمرة الأولى منذ عام 1967م، من حيث فرض المناهج بشكلٍ قسريّ، وعلى شريحة واسعة من الطلاب الفلسطينيين.
وتسعى سلطات الاحتلال من خلال هذه الخطوة، إلى زيادة أعداد الطلاب الذين تفرض عليهم دراسة المنهاج «الإسرائيلي»، وتجاوز عتبة 27% التي وصلت إليها في العام الدراسي 2024-2025م.
وإلى جانب ما سبق، تُشير الفئة العمرية المُستهدفة، إلى تضمين القرار ما يُشبه الخطة المستقبلية، لتوسيع فرض المناهج تدريجيًا، حيث سيستمر فرض المنهاج بشكلٍ تدريجيّ عامًا بعد آخر، حتى تفرضه في نهاية المطاف على كل الطلاب الملتحقين بالمدارس التابعة لبلدية الاحتلال، وفي مختلف الفئات العمرية.
الاحتلال يستهدف معلمي القدس ويقيّد دخول القادمين من الضفة
وتوازيًا مع فرض المناهج، عمل الاحتلال على فرض المزيد من التضييقات على الكوادر التعليمية وشلّ المدارس، حيث تفاجأت المدارس الخاصة والمسيحية في القدس المحتلة، مع بداية العام الدراسي الحالي، برفض سلطات الاحتلال تجديد تصاريح الدخول لعشرات المعلمين والموظفين القادمين من الضفة الغربية بصورة مفاجئة ومن دون سابق إنذار، وهي قرارات تؤثر على سير العملية التعليميّة من جهة، وتُهدد مصدر رزق شريحة كبيرة من المدرّسين القادمين من الضفة الغربية من جهةٍ أخرى.
وجاء هذا القرار ليستكمل قرارًا آخر صدر في نهاية عام 2025، ففي 11/ 11/ 2025م أعلنت الأمانة العامة للمؤسسات التربوية المسيحية في القدس المحتلة، عن عدم قدرتها على انتظام دوام الفصل الدراسي الثاني لهذا العام، بسبب الإجراءات التعسفية «الإسرائيلية» بحق المدارس المسيحية في المدينة.
وبحسب البيان، أدى وقف إصدار تصاريح عدد من المعلمين القادمين من الضفة الغربية، إلى إرباك المدارس المسيحية في القدس المحتلة، وأشارت هذه المدارس إلى أن هذه الإجراءات أثرت في 171 معلمًا وموظفًا، وهو ما يفاقم التحديات التي تواجه المدارس المسيحية، والتي تُهدد -في حال استمرارها- قدرتها على مواصلة رسالتها التعليميّة.
وتُشير معطيات فلسطينيّة إلى أن القرار يؤثر على نحو 300 معلم من الضفة الغربية، يعملون في مدارس الأوقاف والمدارس الخاصة بالشطر الشرقي من القدس المحتلة، أكثر من نصفهم يعملون في المدارس المسيحية وبعض المدارس الأهلية، كما أسلفنا آنفًا.
تحريض «إسرائيلي» يستهدف المدارس الفلسطينية في القدس
ولا تقتصر الهجمة على القرارات الإدارية والتنفيذية لأذرع الاحتلال القائمة على المدارس، حيث شهدت الأشهر الماضية تكاملًا ما بين أذرع الاحتلال في سياق الهجمة الممنهجة على التعليم.
ويبرز في هذا السياق الدور التحريضي الممنهج الذي يؤديه عضو الكنيست تسفي سوكوت، حيث عمل على تنظيم حملات تحريضية واسعة، وجلسات استماع متكررة في أروقة الكنيست، زاعمًا أن المدارس الفلسطينية في الشطر الشرقي من القدس المحتلة تُشكل «بؤرًا للتحريض ودعم الإرهاب».
ويهدف هذا الحراك الذي يقوده سوكوت وأقرانه إلى توفير الغطاء القانوني والسياسي لسحب تراخيص المدارس الفلسطينيّة، تمهيدًا إلى إجبارها على الرضوخ لسياسات الكيان.
إضراب مدارس القدس يواجه مخططات «أسرلة» التعليم
وعلى أثر القرارات الجائرة التي أصدرتها سلطات الاحتلال، أضربت المدارس الفلسطينية في الشطر الشرقي من القدس المحتلة مع بداية العام الدراسي، وفي 31/ 8/ 2026م أعلنت المدارس الفلسطينية الخاصة تعليق الدوام بدءًا من 1/ 9/ 2026م وحتى إشعار آخر، وأشارت هذه المدارس إلى أن عدم تجديد سلطات الاحتلال لتصاريح دخول المعلمين من الضفة الغربية المحتلة، يجعل انطلاقة العام الدراسي بشكلٍ طبيعيّ شبه مستحيلة.
ويشكل الإضراب المفتوح أداة مواجهة عملية ومباشرة لسياسات الاحتلال الرامية إلى تهويد قطاع التعليم، وفرض المناهج «الإسرائيليّة» عليه، وتأتي هذه الخطوة الميدانية في سياق الرد على سحب تصاريح عشرات المعلمين من الضفة الغربية، وتصاعد محاولات فرض المنهاج الإسرائيلي بالقوة.
ويمثل الإضراب محاولة من قبل المدارس ولجان الأهالي لصد محاولات الاحتلال فرض رؤيته، وسعيه المحموم إلى فرض سيطرته الكاملة على كل القطاعات في القدس المحتلة، وفي مقدمتها قطاع التعليم، إلى جانب سعي الحراك إلى محاولة عدم الخضوع للمزاج الأمني «الإسرائيلي».
