علي حسن إبراهيم
المسجد الأقصى

الأقصى تحت مقصلة الإغلاق.. أخطار متصاعدة وتغول مستمر

٣ أبريل ٢٠٢٦·القدس، الأقصى، المقدسات، التهويد، اقتاحامات، تقسيم
الأقصى تحت مقصلة الإغلاق.. أخطار متصاعدة وتغول مستمر

وفي ظل استمرار الإغلاق، والمعلومات عن استمراره حتى منتصف أبريل، وإمكانية تمديد الإغلاق حتى نهاية الحرب، التي تتعقد يوماً بعد آخر، ولا يُشير هذا الإغلاق إلى الإجراء العقابي فقط، بل يمتدّ إلى أعمق من ذلك بكثير، فهو إفراغ متعمّد لجنبات «الأقصى»، وتهيئة للمزيد من العدوان على المسجد، لتحويله من مقدس إسلامي خالص، إلى «مقدس مشترك» مع الاحتلال ومستوطنيه، وكل محطة من المحطات القادمة ستشهد المزيد من هذا العدوان، في ظل تغوّل رسمي «إسرائيليّ» يبدأ من المسرى ولا يقف عند الأسرى.

حجم الخط

أكثر من شهر مضت على إغلاق المسجد الأقصى المبارك، في استمرار لمحاولات الاحتلال فرض سيطرته الكاملة على المسجد، وهو ما يُشكل حلقة من سلسلة من الاعتداءات الممنهجة، التي تقوم عليها أذرع الاحتلال، وتسعى إلى فرض أمرٍ واقع جديد على المسجد، يكون فيه الاحتلال صاحب الأمر والنهي، وصاحب السيادة.

 

وفي ظل استمرار الإغلاق، والمعلومات عن استمراره حتى منتصف أبريل، وإمكانية تمديد الإغلاق حتى نهاية الحرب، التي تتعقد يوماً بعد آخر، ولا يُشير هذا الإغلاق إلى الإجراء العقابي فقط، بل يمتدّ إلى أعمق من ذلك بكثير، فهو إفراغ متعمّد لجنبات «الأقصى»، وتهيئة للمزيد من العدوان على المسجد، لتحويله من مقدس إسلامي خالص، إلى «مقدس مشترك» مع الاحتلال ومستوطنيه، وكل محطة من المحطات القادمة ستشهد المزيد من هذا العدوان، في ظل تغوّل رسمي «إسرائيليّ» يبدأ من المسرى ولا يقف عند الأسرى.

 

«قربان الفصح».. عدوان مرتقب

 

ثبتت أذرع الاحتلال المتطرفة الأعياد العبرية محطات لتصعيد العدوان على المسجد، ومن أبرز هذه الأعياد عيد «الفصح العبري»، وخلال السنوات الماضية شكل واحداً من أبرز الأعياد التي تشهد تصاعداً في حضور الوجود اليهودي في المسجد الأقصى وكثافته، الذي يشهد ازدياداً في أعداد مقتحمي المسجد، نتيجة امتداد أيام العيد، إلى جانب ما تشهده هذه الاقتحامات من أداء علنيّ للطقوس العلنية، وما يضمه العيد من ارتباط وثيق بقضية «قرابين الفصح»؛ إذ تشهد السنوات الماضية محاولات متكررة لإدخال هذه القرابين إلى «الأقصى»، ومحاولة تقديمها.

 

ويُشير استمرار الإغلاق للمسجد الأقصى، مع انطلاق محاولات أذرع الاحتلال المتطرفة لإدخال «القرابين»، إلى العديد من الأخطار المحدقة بالمسجد والمرتبطة بقضية «القرابين»، خاصة أن أعداد القادرين على الدخول إلى المسجد محدودة بالقليل من موظفي دائرة الأوقاف الإسلامية، لا يتجاوزون 25 موظفاً، وهو عدد ضئيل مقارنة بمساحة المسجد الأقصى، وحجم الوجود الأمني في محيطه، إذ لا يوجد ما يردع شرطة الاحتلال عن تأمين التسلل السري أو العلني لإدخال القرابين الحيوانية، مستغلة غياب العنصر البشري الإسلامي كلياً.

 

تمديد الإغلاق.. شرعنة التقسيم الزماني والمكاني

 

ومما يضاعف الأخطار، ويرفع من الشكوك تجاه تصرفات أذرع الاحتلال، ما كشفه موقع «ميدل إيست آي»، بأن سلطات الاحتلال ستتابع إغلاق المسجد الأقصى حتى منتصف أبريل الجاري، ومع عدم وجود أفق لتوقف الحرب الحالية -حتى كتابة هذا المقال- على أقل تقدير، فمن المحتمل استمرار الإغلاق مدة أطول؛ ما يجعل التقاطع الزمني مع «عيد الفصح» في مطلع أبريل فرصة للمستوطنين لتصعيد عدوانهم على المسجد، ومن غير المستعبد أن يشكل هذا العدوان صفة فرديّة، على غرار ما جرى من محاولات لإدخال «قرابين الفصح» في عام 2025م.

 

وإلى جانب ما سبق، تؤكد تصريحات الاحتلال والمنظمات المتطرفة حالة من الرضا لدى جمهور من المستوطنين من شمول الإغلاق للمسلمين والمستوطنين، وهو ما يشيرون إليه بأنه مساواة في تطبيق الإغلاق لأول مرة؛ أي أن أذرع الاحتلال المتطرفة ستتخذ من هذا الإغلاق المزدوج ذريعة مستقبلية لتصعيد مطالباتها تحت بند المساواة المزيفة، التي ستشمل تمديد أوقات اقتحام المسجد الأقصى.

 

وقد تضمنت مطالبات سابقة لهذه المنظمات أن تصل ساعات الاقتحام شبه اليوميّة إلى 9 ساعات، إضافة إلى امتداد هذه المطالب إلى فرض التقسيم المكاني؛ ما يعني إنهاء هذه القضايا بشكل نهائي، وما يترتب عليها من نسف الوضع التاريخي والقانوني القائم بالكامل.

 

وإن استطاع الاحتلال تحقيق الأمرين معاً أو أحدهما، سيفتح المجال أمام جملة من الأخطار، تطال طبيعة الوجود الإسلامي في المسجد، مروراً ببقاء دائرة الأوقاف، وصولاً إلى بقاء المسجد من عدمه.

 

غياب الردع ورتابة التفاعل

 

يظلّ شعار «الأقصى في خطر» حقيقة قائمة مع تصاعد العدوان على المسجد، ولا ريب أن الإغلاق الحالي يفتح المجال أمام المزيد من التطورات، ولكن ما يزيد من هذه الأخطار هو التوقيت، إذ تحاول حكومة اليمين المتطرف استغلال الانشغال الإقليمي والدولي بالأزمات والحروب، لتمرير جملة من الحقائق في القدس و«الأقصى».

 

وعلى الرغم من وجود تفاعل شعبي عربي وإسلامي تجاه إغلاق «الأقصى»، فإن الاستجابة الفاعلة تجاه الإغلاق أقل بكثير من المأمول، فبرغم ما يعانيه الفلسطينيون من تضييقات أمنية شديدة، فإنهم يقفون في وجه الإغلاق، في المقابل يظل التفاعل العربي والإسلامي محصوراً بالتفاعل الإلكتروني، مع تراجع الحراك على أرض الواقع؛ ما يعني ضرورة الخروج من التفاعل الرقمي المجرّد، والانطلاق إلى التفاعل الميداني المباشر.

 

أخيراً، يدخل إغلاق المسجد الأقصى في شهره الثاني، وهو من دون أدنى شك جرس إنذار أخير يسبق وقوع كارثة محققة؛ إن في حسم هوية المسجد الأقصى، أو في إيذائه على صعيد المصليات والساحات والمعالم التاريخيّة، وهي في الحالين أضرار لا يُمكن القبول بها، ولا يُمكن التنبؤ بمآلاتها.

 

المسجد الأقصى يقف اليوم على مفترق طرق، فإما أن تُكسر شوكة هذا الإغلاق وتُحبط مساعي أي شكل من أشكال العدوان وحسم الهوية، وإما أن نستيقظ في وقت ما على واقع جديد لا يعود فيه المسجد كما كان.

 

مجلة المجتمع الكويتية