الاستيطان تحت غطاء التعليم.. مشروع "أور سوماياخ" في حي الشيخ جراح

عادت إلى الواجهة محاولات الاحتلال زيادة حجم الوجود الاستيطاني داخله مع إقرار مشروع تهويديّ تحت غطاء التعليم، يتبع لمنظمة «أور سوماياخ»، سيُقام داخل الحي، ليشكل حلقة ضمن مخطط أوسع لتعزيز الحضور الاستيطاني في حي الشيخ جراح، وجزءًا من محاولات حثيثة من قبل أذرع الاحتلال ترمي إلى إعادة تشكيل المشهد الديموغرافي للحي خاصة، وللمدينة المحتلة بشكل عام، حيث تتقاطع فيه الأدوات القانونية الملتوية مع الأهداف الاستيطانية الصريحة لفرض واقع تهويدي بالغ الخطورة.
تتعرض القدس المحتلة لهجمة تهويديّة شرسة، في ظلّ تصاعد عدوان أذرع الاحتلال على المسجد الأقصى المبارك، بالتوازي مع إقرار المزيد من المشاريع الاستيطانية في قلب المدينة المحتلة، في سياق توسيع الحضور الاستيطاني في أحياء المدينة المحتلة المختلفة، ومن بينها حي الشيخ جراح.
ففي الأسابيع الماضية، عادت إلى الواجهة محاولات الاحتلال زيادة حجم الوجود الاستيطاني داخله مع إقرار مشروع تهويديّ تحت غطاء التعليم، يتبع لمنظمة «أور سوماياخ»، سيُقام داخل الحي، ليشكل حلقة ضمن مخطط أوسع لتعزيز الحضور الاستيطاني في حي الشيخ جراح، وجزءًا من محاولات حثيثة من قبل أذرع الاحتلال ترمي إلى إعادة تشكيل المشهد الديموغرافي للحي خاصة، وللمدينة المحتلة بشكل عام، حيث تتقاطع فيه الأدوات القانونية الملتوية مع الأهداف الاستيطانية الصريحة لفرض واقع تهويدي بالغ الخطورة.
مشروع «أور سوماياخ».. النشأة والمسار القانوني
وظهر المشروع إلى العلن مع كشف منظمة «عير عميم» الحقوقية «الإسرائيلية» عنه، ففي 23 أبريل 2026م أعلنت المنظمة أنّ لجنة التخطيط والبناء التابعة لبلدية الاحتلال في القدس، وافقت قبل عدة أيام على خطة إنشاء مدرسة دينيّة في حي الشيخ جراح، وبحسب المنظمة رفضت اللجنة جميع الاعتراضات التي قدمتها بالاشتراك مع جمعية الشيخ جراح المجتمعية، وهو ما يُشير إلى المضي قدمًا في تنفيذ المشروع، رغمًا عن اعتراضات المنظمات الحقوقيّة أو أهالي الحيّ.
ومن المهم تسليط الضوء على الجهة المشرفة على المشروع، حيث تُشرف عليه بشكل مباشر مؤسسة «أور سوماياخ»، وهي مؤسسة دينيّة يهودية حريديّة تأسست في عام 1970م، وتركز في نشاطها على استقطاب الطلاب اليهود الجامعيين العلمانيين، بهدف دراسة «التلمود»، وبحسب موقعها الرسمي، تمتلك هذه المؤسسة عددًا من الفروع داخل دولة الكيان وفي عددٍ من الدول، أبرزها الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وجنوب أفريقيا، وتتخذ من القدس المحتلة مقرًا رئيساً لها، حيث يقع في الحي الاستيطاني «معالوت دفنا»، وهو قريب جدًا من حي الشيخ جراح.
وبحسب المصادر العبرية، حظي المشروع بتسهيلات رسمية كبيرة، فبحسب «عير عميم»، خصصت سلطات الاحتلال قطعة الأرض المستهدفة لبناء مرافق عامة مثل المؤسسات التعليميّة، إلا أنه في عام 2007م، تنازلت بلدية الاحتلال عن قطعة الأرض هذه لمصلحة «سلطة أراضي إسرائيل»، للسماح للسلطة بتخصيصها لبناء مدرسة دينية يهودية «يشيفا» متشددة، وقامت «سلطة أراضي إسرائيل» بدورها بنقل الأرض إلى مؤسسة «أور سوماياخ»، من دون وجود مناقصة، وعلى أثرها قامت هذه المؤسسة بتقديم مخطط لبناء المدرسة، حيث نقلت المشروع إلى إطار المصادقة من قبل لجنة التخطيط في بلدية الاحتلال، التي صادقت عليه في التاريخ المشار إليه آنفًا.
الموقع الجغرافي ودلالاته الاستيطانية
وحول اختيار مكان المشروع في قلب حي الشيخ جراح، يُشير مختصون في شؤون الاستيطان إلى أن موقع المشروع يُعدّ موقعًا إستراتيجيًا، ويمتد على مساحة 5 دونمات، ويقع على طول المدخل الجنوبي للحي، مقابل مسجد الشيخ جراح، ويتوسط تجمعات سكنية فلسطينية؛ ما يجعله خنجرًا في النسيج العمراني والاجتماعي للحي.
ومع انتهاء المشروع، سيشكل أكبر الأبنية الموجودة داخل الحي، حيث ستقوم مؤسسة «أور سوماياخ» ببناء مدرسة دينيّة يهودية، أطلقت عليها اسم «غلاسمان يشيفا»، على أن تتكون المدرسة من مبنى شاهق بارتفاع 11 طابقًا، ويضم مرافق تعليميّة عديدة، إلى جانب سكن للطلاب يتسع للمئات منهم، إضافةً إلى مساكن مخصصة لأعضاء هيئة التدريس بالمدرسة، وتُشير هذه المعلومات وما يتضمنه المبنى من مرافق أخرى إلى سعي أذرع الاحتلال إيجاد ثقل سكاني استيطاني داخل حي الشيخ جراح، يتجاوز مجرد فكرة المبنى التعليمي، وهو ما يحوله بناء على هذه المعطيات إلى بؤرة استيطانية متكاملة، تتخذ من التعليم ستارًا لها.
الأبعاد التهويدية لمشروع «أور سوماياخ»
ويمثل هذا المشروع حلقة خطيرة في مسلسل تهويد القدس، وتتمثل مآلاته في جملة من الأخطار المحدقة، أولها إعادة فتح الباب أمام تهجير سكان حي الشيخ جراح، حيث يقع موقع المشروع بالقرب من تجمعات استيطانية، وقرب منازل الفلسطينيين؛ ما يهدد عشرات العائلات الفلسطينية المجاورة، من خلال الاعتداءات المباشرة من الطلاب بعد إتمام المشروع، وخلال عملية البناء، ومن خلال استقراء سلوك الاحتلال في السنوات الماضية، ستسعى إلى استخدام المدرسة ذريعةً للتوسع الاستيطاني المستقبلي في الحي.
أما ثاني المآلات المرتقبة، تتجلى بتشديد الخناق على الحي وسكانه الفلسطينيين، فمع وجود مئات المستوطنين والطلاب المتشددين في قلب حي فلسطيني، يعني بالضرورة زيادة الوجود الأمني للاحتلال في الحي، وفي محيط المدرسة، وهو ما يُضيّق الخناق على السكان الفلسطينيين، ويعرقل تحركاتهم، وما يتصل بالاعتداءات التي يقوم بها المستوطنون، على منازل الفلسطينيين وممتلكاتهم وسياراتهم.
ومن أبرز الملاحظات حول المشروع، التي أشار إليها التقرير السنوي حال القدس 2025م، والمتمثل بما يسمى «التجديد الحضري»، وهي ذريعة تستخدمها أذرع الاحتلال لتشكل غطاء قانونياً لهدم المباني القائمة وبناء بؤر استيطانية جديدة، وتحت هذه الذريعة، وفي ظل التضييق على الفلسطينيين ومنعهم من ترميم منازلهم، يفتح هذا العنوان الباب أمام توسيع الحضور الاستيطاني في الشيخ جراح خاصة، وفي القدس المحتلة بشكل عام، إلى جانب الأخطار المترتبة عليه، والمتصلة بتجريد المجتمع الفلسطيني من ممتلكاته وأراضيه.
إن مشروع «أور سوماياخ» ليس مجرد صرح تعليمي، بل هو أداة جيوسياسية تهدف إلى بتر التواصل الجغرافي الفلسطيني في القدس وتثبيت موطئ قدم دائم للمستوطنين في حي الشيخ جراح، وارتباط هذه المشاريع بتصاعد عمليات الهدم في بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى، وما يتصل بذلك من هجمة ديموغرافية متصاعدة تشنها أذرع الاحتلال على المدينة المحتلة.
المصدر: مجلة المجتمع الكويتية
