النكبة الممتدة.. من تصفية الوجود والمقدسات إلى مسارات التغول الإقليمي

من النكبة إلى المواجهة، ومسارات التغول، قراءة في التحولات الكبرى ومحاولة النهوض.
تشهد القدس المحتلة ما يُعرف بـ«مسيرة الأعلام الاستيطانية» السنوية، وهي أضخم مسيرات المستوطنين في شطري القدس، وتسعى من خلالها أذرع الاحتلال إلى ترسيخ الطابع اليهودي للمدينة، وتقام في الذكرى العبرية لاحتلال الشطر الشرقي من المدينة في عام 1967م، وتتزامن في هذا العام مع ذكرى «النكبة» في 15 مايو، ومن أبرز الشعارات العنصرية التي يطلقها المستوطنون خلال هذه المسيرة «من دون النكبة لا يوجد انتصار»، ويتوعد هؤلاء الشراذم الفلسطينيين بنكبة جديدة.
وتؤشر هذه الشعارات وغيرها إلى حضور «النكبة» الفلسطينية ليس في الوجدان الفلسطيني والعربي فقط، بل في قلب مشروع التهويد والعدوان الصهيوني على فلسطين، فالتعامل معها على أنها الأنموذج المستمرّ التي أدت إلى تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين واقتلاعهم من أرضهم، وأسست لمشروعٍ استعماري إحلالي، لم يقف إجرامه عند الفلسطينيين فقط، ولكنه امتد إلى الدول المحيطة، واستهدفت العرب بعمومهم.
وفي سياق استقراء حضور هذه الذكرى، وكثافة الأحداث التي جرت على أثرها خلال 78 عامًا من «النكبة»، تُظهر بوضوح تحولها إلى مسار متصل، يسعى الكيان وداعموه إلى إعادة إنتاجه كل بضعة سنوات، مستهدفًا تصفية الوجود الفلسطيني وهويته، وساعيًا إلى الهيمنة الكاملة على الوعي في الجسد العربي والإسلامي بأسره، لتتحول الجغرافيا الفلسطينية والمقدسية إلى نقطة ارتكازٍ لتغولٍ أوسع يضرب المنطقة بأكملها.
النكبة كمسار بنيوي مستمر.. من الاقتلاع إلى حرب الإبادة
إن الآثار المترتبة على «النكبة» لا تُقاس فقط بأعداد اللاجئين ومخيمات الشتات، بل بطبيعة العقلية الإحلالية التي تدير الصراع؛ فالاحتلال ينظر إلى الوجود الديموغرافي الفلسطيني بوصفه عقبة وجودية يحتاج إلى تفكيكها عبر إستراتيجيات متدرجة تبدأ بالمحاصرة والتفتيت، وتصل في ذروتها إلى حروب الإبادة والتصفية الشاملة، وتتجسد استمرارية النكبة اليوم في السعي المحموم إلى إنهاء كل القضايا المرتبطة بفلسطين والقدس.
وعلى الرغم من موجات «التهويد» و«الأسرلة»، ومحاولة الاحتلال كسر كل إرادة تبزغ في فلسطين والأمة، فإنه لم يستطع النجاح في كل ما يريده، ففي مقابل آلة الاقتلاع والتصفية، وحرب الإبادة المستمرّة في قطاع غزة، تشكلت لدى الشعب الفلسطيني حالة فريدة من الصمود والمراغمة وإرادة البقاء، حولت النكبة من حالة انكسار مطلق إلى دافعٍ مستدام لإعادة بناء الهوية الوطنية والتمسك بالأرض.
القدس و«الأقصى».. ساحة الحسم الرمزي و«الإحلال الوجودي»
ولا شك أن مدينة القدس المحتلة، وفي القلب منها المسجد الأقصى، يشكلان أبرز مساحات الصراع مع الاحتلال، حيث يشكلان البوابة المركزية لحرب الحسم والتصفية، وتُشير التطورات خلال السنوات الماضية إلى سعي اليمين الصهيوني وأذرع الاحتلال المتطرفة حسم الصراع على «الأقصى»، وتنظر هذه الجماعات إلى المسجد على أنه ميدان التصفية الرمزية، وأن الحسم في القدس هو البوابة التي يمكنهم منها حسم كل القضايا الأخرى، وما يرتبط بهذه الادعاءات بأنها تستجلب لهم النصر الإلهي، والسيادة النهائية للكيان.
لقد انتقل مسار العدوان على المسجد الأقصى خلال السنوات الماضية من محاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني إلى مرحلةٍ أشد خطورة يمكن تسميتها بـ«الإحلال الوجودي»، ويتجلى هذا المخطط من خلال:
1- استهداف الزمان والهوية: السعي الدؤوب من قبل المنظمات المتطرفة وأذرع الاحتلال التهويدية إلى كسر الحصرية الإسلامية للمسجد، وتحويل الأعياد والمناسبات القومية والدينية إلى محطات لفرض الأمر الواقع، ومحاولة إلغاء الخصوصية الزمانية لأعياد المسلمين، وفي هذا السياق يبرز سعي هؤلاء إلى اقتحام «الأقصى» في يوم الجمعة في 15/ 5/ 2026م.
2- استهداف عصب حماية «الأقصى»: عبر تفريغ ساحات «الأقصى» من المصلين والمرابطين، وإبعادهم، بالتوازي مع التجريد التدريجي لصلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية، وما يتصل بذلك من استهدافٍ ممنهج لحراس «الأقصى»، ورموز الدفاع عن القدس.
3- كيّ وعي الأمة: توجيه رسالة استعراضية قاسية للعالمين العربي والإسلامي مفادها أن مقدساتهم لم تعد عصية على الخضوع للسيادة المزعومة.
التغول الإقليمي.. تمدد المشروع الصهيوني في الجسد العربي
لم تكن الأدبيات التأسيسية للمشروع الصهيوني تخفي حدود أطماعها، التي تتجاوز الجغرافيا الفلسطينية، فالكيان الذي زُرع في قلب الأمة صُمم ليكون قاعدة وظيفية متقدمة لعرقلة أي نهضة عربية وإسلامية، ولفرض حالة من التفوق الإستراتيجي المطلق.
وقد أشرعت «النكبة» باب الاستهداف الممنهج للعالمين العربي والإسلامي، بدعمٍ غربيّ وتنفيذ صهيونيّ، إذ يعاني العالم العربي اليوم تغولًا «إسرائيليًا» سافرًا، خاصة في لبنان وسورية، ففي لبنان يتصاعد عدوان الكيان، عبر القصف، والاغتيالات، وتدمير البنى التحتية، وتهجير السكان، في سياق فرض معادلات جديدة تجعل الدول العربية في حالة استنزاف دائم وانكشاف أمني مستمر.
ويسعى الكيان من خلال هذا التغول إلى عزل القضية الفلسطينية عن عمقها العربي والإسلامي، ودفع الدول العربية إلى التطبيع معه، في إطار معادلة جديدة، إما التطبيع المباشر مع الكيان، أو التعرّض المستمرّ للعدوان، وهو عدوان مباشر من خلال القصف والتدمير، أو غير المباشر عبر الضغوط الاقتصادية، والحروب من تحت الطاولة، على غرار ما يقوم به الاحتلال تجاه تركيا، والرسائل والضغوط الأمريكية تجاه السعودية والكويت في سياق المضي قدمًا في التطبيع.
مقاربة التاريخ والواقع.. ما بين التصفية وإرادة النهوض
وتؤكد المقاربة التاريخيّة أن تهاون الدول العربية والإسلامية في التصدي لمقدمات «النكبة» في عام 1948، وما تلاها من محطات وأبرزها هزيمة عام 1967م، هو الذي مهّد الطريق أمام هذا التغول الإقليمي الفجّ، وهي حالة بكل أسف تتكرر أمامنا اليوم، فالصمت تجاه تصفية الوجود الفلسطيني، والعجز المتنامي تجاه استهداف المسجد الأقصى، لا يوقف الكيان الصهيوني، إنما يفتح شهيته لمزيدٍ من التمدد والاستباحة في العواصم العربية، على غرار استهداف الدوحة في عام 2025م.
إن الواقع الراهن، ورغم قسوته وحجم التضحيات الهائلة فيه، يضع العالمين العربي والإسلامي أمام حقيقة لا تقبل التأويل، فالصراع مع هذا الكيان صراعٌ وجوديّ، والقدس و«الأقصى» ليست معالم دينيّة أو أوابد تاريخيّة، منفصلة عن هُوية الأمة ودينها، إنما هي جزءٌ أساسيّ من عقيدة الأمة، فحماية القدس وإفشال مخططات الإبادة في فلسطين هما خط الدفاع الأول عن سيادة دمشق وبيروت وكل العواصم المهددة.
إن مواجهة «النكبة» المستمرة والتغول الإقليمي المتصاعد، تتطلب وعيًا عميقًا بطبيعة هذا المشروع الصهيوني، وإعادة الاعتبار لمركزية فلسطين، وبقدر ما ينجح الشعب الفلسطيني في تثبيت رباطه ومقاومته ومراغمته للمحتل في كل شبرٍ من أرضه، يتوجب على العمق الشعبي والرسمي للأمة أن يدرك أهمية دعم صمود هذا الشعب، ومواجهة هذا الاحتلال بكل الطرق الممكنة، لإيقاف مسار النكبة الممتد، وحماية الجسد العربي والإسلامي من التفتيت والضياع.
مجلة المجتمع الكويتية
