عسكرة القدس.. أدوات السيطرة وإعادة تشكيل الهوية

يُشير عنوان هذا المقال «عسكرة القدس» إلى هدف مركزي لدى سلطات الاحتلال متصل بفرض المزيد من السيطرة على المدينة المحتلة، وتعزيز قبضتها الأمنية في سياق أوسع مرتبط بتحويل القدس المحتلة إلى مدينة يهوديّة بالكامل، بما فيها من معالم وسكان.
يُشير عنوان هذا المقال «عسكرة القدس» إلى هدف مركزي لدى سلطات الاحتلال متصل بفرض المزيد من السيطرة على المدينة المحتلة، وتعزيز قبضتها الأمنية في سياق أوسع مرتبط بتحويل القدس المحتلة إلى مدينة يهوديّة بالكامل، بما فيها من معالم وسكان.
ويتصل هذا المصطلح بالانتشار المكثف لجنود الكيان في شوارع المدينة، وفرض القيود أمام أبواب المقدسات، مرورًا بالمراقبة الأمنية المشددة، وصولًا إلى نقل المقرات الأمنية لجيش الكيان إلى المدينة المحتلة.
وهي مؤشرات إستراتيجية إحلاليّة شاملة، تشكل «العسكرة» والمظاهر الأمنية أحد وجوهها، في سياق إعادة هندسة هوية القدس.
ويسعى الاحتلال إلى إقصاء الهوية الأصيلة للمدينة، العربية والإسلامية، وإقحام هويات دخيلة، عنوانها المركزي الطابع الاستيطاني، وتتجلى في جملة من المظاهر؛ دينية وعسكرية واستيطانية وغيرها، ويتمثل الهدف الجوهري من هذا التحول إلى تكريس سيادة الكيان على القدس، وفرض أمر واقع يخنق أنفاس المدينة وسكانها.
حصار المقدسات
أبرز الأدوات التي تستخدمها سلطات الاحتلال تتمثل في فرض الوجود الأمني في محيط المقدسات في المدينة المحتلة، وفي حالة المسجد الأقصى وصل الأمر إلى فرض عناصر الاحتلال الأمنية داخل المسجد الأقصى، فخلال السنوات الماضية حولت سلطات الاحتلال بوابات المسجد الأقصى ومداخل البلدة القديمة إلى ثكنات عسكرية مصغرة، وتقطع أوصال البلدة القديمة من خلال عشرات الحواجز الأمنية، إلى جانب البوابات الحديديّة الدائمة أمام أبواب «الأقصى»، والانتشار المكثف لقوات حرس الحدود المدججة بالسلاح.
ومن خلال رصد ما تقوم به قوات الاحتلال، فإنها تنتشر أمام أبوابه لتقييد وصول المصلين إليه، والتدقيق في هويّاتهم، وتتحصن في مركزها الموجود داخل «الأقصى»، ومن هناك تنطلق لمراقبة الحركة فيه، وتُرافق مجموعات المقتحمين، وتمنع المصلين من الوجود في «الأقصى» أو الاقتراب من المقتحمين.
وفي الأشهر الماضية، بدأت قوات الاحتلال تُسيّر دوريات أمنية بالتزامن مع صلاة الجمعة، أو الصلوات الأخرى.
وإلى جانب أبواب «الأقصى»، تنتشر شرطة الاحتلال في عدد من المواقع داخل «الأقصى» أو في محيطه، وأبرزها المدرسة التنكزية، التي تقع على السور الغربي للمسجد الأقصى فوق باب السلسلة، أما داخل المسجد تتخذ شرطة الاحتلال الخلوتيْن الجنبلاطية وأرسلان باشا المتلاصقتين مركزًا لها، ويقع هذان المبنيان شمال صحن قبّة الصخرة.
العسكرة التكنولوجية
لا يقف الوجود الأمني عند الحضور المكثف للعناصر الأمنية في القدس المحتلة، حيث تعضده سلطات الاحتلال بالمراقبة الرقمية المكثفة.
وقد سلطنا الضوء بشكل مفصل في مقال سابق عن استخدامات الذكاء الاصطناعي في تهويد القدس المحتلة، ومن أبرز أوجه هذه الاستخدامات منظومة «مباط 2000»، وشبكة الكاميرات الذكية التي تغطي كل شبر في البلدة القديمة وأزقتها، وما تتضمنه من تقنيات متطورة متصلة بالتعرف على الوجوه، والتنصت، وآثار هذه التقنيات على المقدسيين وحريتهم، وتصاعد الرقابة الرقمية في القدس المحتلة عبر العديد من المستويات، وخاصة منشورات الفلسطينيين على وسائل التواصل الاجتماعي.
عسكرة المستوطنين.. مليشيات القتل والإرهاب
وإلى جانب المنظومات الأمنية المختلفة التابعة لدولة الكيان، فقد شهدت الأعوام الماضية جهودًا حثيثة قادها وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير في نهاية عام 2023م، لتسليح المستوطنين، في سياق تحويلهم إلى ما يُمكن أن نطلق عليه «مليشيات» غير رسمية، وهي سياسة نعاين نتائجها في الضفة الغربية المحتلة، التي تشهد بشكل شبه يومي هجمات من قبل المستوطنين على البلدات الفلسطينية، وقد أدت هذه الهجمات إلى ارتقاء أعداد كبيرة من الفلسطينيين، بفعل انتشار السلاح بين المستوطنين، وعدم وجود أي قدرة للفلسطينيين لمواجهة هذه الهجمات المليشياوية.
وتُشير التطورات إلى أن هذه الأخطار ستنتقل من الضفة الغربية إلى القدس المحتلة، ففي بداية مارس 2026م أعلن بن غفير أن سكان الأحياء اليهوديّة في القدس المحتلة كافة، مؤهلون للحصول على رخصة سلاح.
وبحسب صحيفة «هاآرتس» العبرية، يفتح هذا القرار المجال أمام نحو 300 ألف مستوطن في القدس المحتلة للحصول على تراخيص حمل السلاح، ولم تقف جهود بن غفير عند توسيع المشمولين بالتراخيص، بل سرّع آليات الحصول عليها، حيث طلب بن غفير في بداية عام 2026م، زيادة منح تراخيص حمل الأسلحة من نحو ألفي رخصة شهريًا إلى نحو 10 آلاف؛ أي بزيادة قدرها 500%.
نقل المقرات العسكريّة إلى القدس المحتلة
وفي سياق سعي الكيان إلى تثبيت القدس عاصمته المزعومة، وإعادة رسم الطابع الوظيفي والعسكري للقدس المحتلة، وقّعت سلطات الاحتلال اتفاقية داخلية تقضي بنقل مشاريع عسكرية ومراكز ثقل أمنية من تل أبيب إلى القدس المحتلة.
ففي 15/ 12/ 2025م، وقّع وزير الجيش يسرائيل كاتس، ورئيس بلدية الاحتلال في القدس موشيه ليون، اتفاقية «تعاون إستراتيجي»، تقضي بنقل مشاريع عسكرية وأمنية وُصفت بـ«الدفاعية المهمة» إلى القدس المحتلة، وبحسب صحيفة «يسرائيل هيوم»، تضمنت الاتفاقية إنشاء برج دفاعي بارتفاع 30 طبقة عند مدخل المدينة المحتلة، يضم مكاتب وزير الجيش ورئيس هيئة الأركان، وأقسام هيئة الأركان العامة إلى جانب هيئات أمنية وعسكرية أخرى.
ويهدف المشروع إلى تجميع مكاتب الأجهزة الأمنية المختلفة في موقع واحد، وبموجب ذلك، ستُنقل هذه المكاتب من مجمع «الكرياه» في تل أبيب إلى القدس.
وتتضمن هذه الاتفاقية تفاصيل كثيرة لما سيحتويه المجمع الجديد في القدس المحتلة، من بينها إنشاء مجمع إضافي بجوار البرج، مخصص لمديرية البحث والتطوير للأسلحة والبنى التحتية التكنولوجية في وزارة الجيش، وسيضم المشروع بنية تحتية تكنولوجية متقدمة بهدف تعزيز مكانة القدس كمركز للابتكار العسكري، ولتلبية الاحتياجات الأمنية، وإضافة إلى ما سبق تنص الاتفاقية على إنشاء متحف جديد للجيش بالقرب من «حديقة القدس النباتية»، لجمع ما يُطلق عليه «التراث العسكري الإسرائيلي».
وتشمل الخطة نقل كليات جيش الكيان من معسكر «غليلوت» في هرتسليا شمال تل أبيب إلى منطقة يسهل الوصول إليها داخل القدس المحتلة، على أن تكون مرتبطة بشبكة المواصلات العامة.
أخيرًا، تشكل مظاهر عسكرة القدس جزءاً من مخططات الاحتلال الرامية إلى إعادة تشكيل القدس، على المستويات الديموغرافية والدينية والجغرافية.
وما سلط عليه المقال الضوء من الحضور العسكري المكثف، والرقابة الرقمية، وصولًا إلى تسليح المستوطنين، ونقل مراكز الثقل العسكري إلى داخل المدينة، أجزاء من تلك الصورة الواسعة، والسياسات الأمنية التي ترمي تعكس إصرار الاحتلال على فرض رؤيته، في مقابل صمود المقدسيين وتمسكهم بحقهم في مدينتهم وهويتها.
