قراءة في التطورات الأخيرة بالأقصى.. من نفخ البوق إلى تصريحات سموتريتش بتمويل بناء "المعبد"

ومع اقتراب موسم الأعياد العبرية ما بين 23 سبتمبر و14 أكتوبر 2025م، وتصاعد تحضيرات الاحتلال لتحقيق المزيد من الخطوات في فرض السيادة على المسجد، من المهم تسليط الضوء على جملةٍ من التطورات التي شهدها «الأقصى» في الأسابيع الماضية، التي تمهد بشكلٍ كبير لموسم الأعياد هذا، وما يتصل بالرعاية الرسمية لهذه الانتهاكات.
تُسارع أذرع الاحتلال الخطى لفرض المزيد من الوقائع داخل المسجد الأقصى، وتعمل على تصعيد عدوانها على المسجد في كل فرصة وحين، مع التركيز على مواسم الأعياد اليهوديّة، لتشكل المحطات المركزية لتحقيق قفزاتٍ في أعداد المقتحمين، وما تشهده هذه الاقتحامات من أداء للطقوس العلنية وإفراغ ساحات المسجد من العنصر البشري الإسلامي.
ومع اقتراب موسم الأعياد العبرية ما بين 23 سبتمبر و14 أكتوبر 2025م، وتصاعد تحضيرات الاحتلال لتحقيق المزيد من الخطوات في فرض السيادة على المسجد، من المهم تسليط الضوء على جملةٍ من التطورات التي شهدها «الأقصى» في الأسابيع الماضية، التي تمهد بشكلٍ كبير لموسم الأعياد هذا، وما يتصل بالرعاية الرسمية لهذه الانتهاكات.
ذكرى «خراب المعبد» نموذج متفاقم
من المهم تسليط الضوء على العدوان على «الأقصى» في ذكرى «خراب المعبد»، كواحدةٍ من النماذج الأكثر تكثيفًا لما تريد القيام به أذرع الاحتلال التهويديّة؛ وهو ما ستسعى أذرع الاحتلال إلى تحقيقه لاحقًا والبناء عليه، فقد اقتحم «الأقصى» بالتزامن مع هذه الذكرى في 3/ 8/ 2025م نحو 3969 مستوطنًا، وسط انتشار أمني كثيف، ومما أسهم في تصاعد أعداد المقتحمين، سماح شرطة الاحتلال بدخول 6 أفواج استيطانية بشكل متزامن، إضافةً إلى تقليص الوقت المتاح ما بين الفوج والآخر.
وإلى جانب الحضور الاستيطاني الكثيف، شارك في الاقتحام عدد من الشخصيات السياسية «الإسرائيلية»، من بينهم الوزيران إيتمار بن غفير، ويتسحاق فاسرلاوف، إلى جانب 3 من أعضاء الكنيست، أدّوا طقوسًا علنية في مواضع مختلفة من «الأقصى».
وشكل التصعيد في أعداد المقتحمين وما جرى من عدوان على المسجد محطةً من محاولات فرض السيادة على «الأقصى»، ونموذجًا ستسعى سلطات الاحتلال إلى تكراره، بل وتصعيده في موسم الأعياد القادمة، خاصة أن المسجد شهد تصعيدًا مستمرًا بالتزامن مع مناسبات هامشية، على غرار بداية الشهر العبري في 24/ 8/ 2025م، حيث اقتحم «الأقصى» نحو 419 مستوطنًا، أدّوا طقوسًا يهودية تخللتها الأغاني والرقصات العلنية، وبارك حاخام متطرف بلوغ فتى مستوطن سنّ البلوغ ومشاركته في اقتحام «الأقصى» لأول مرة.
النفخ بالبوق
ترتبط الأعياد اليهوديّة بجملة من الطقوس، من بينها النفخ في بوق «الشوفار» وتقديم القرابين النباتية وغيرها، ومع اقتراب موسم الأعياد عمل المستوطنون على النفخ في «الشوفار» داخل باحات المسجد، بحماية مشددة من قوات شرطة الاحتلال، ففي 25/ 8/ 2025م قام حاخام بالنفخ بالبوق وهو محاط بعناصر الاحتلال الأمنية، وبعددٍ من المستوطنين، ونشرت أذرع الاحتلال مقطعًا مصورًا يُظهر هذا التدنيس، وفي 14/ 9/ 2025م قامت مستوطنة بالنفخ في «الشوفار» خلال مشاركتها في الاقتحام، وكشف مقطع مصور قيام المستوطنة بهذا التدنيس داخل ساحات «الأقصى» الشرقية.
وفي سياق استقراء هذا التدنيس، لا يُمكن فهم الإصرار على النفخ في «الشوفار» داخل المسجد الأقصى بمعزل عن السياق الأوسع للحملة الممنهجة التي تستهدف المسجد، التي ازدادت حدّتها في الأشهر الأخيرة، فعلى الرغم من أن استخدام «الشوفار» يرتبط بعيد «رأس السنة العبرية» والأعياد التي تليه، فإن تكرار النفخ به داخل «الأقصى» تجاوزٌ للطابع الاحتفالي والطقوسي، فهو يشكل في هذه الحالة جزءًا من محاولات ترسيخ السيادة الدينية اليهودية على «الأقصى»، والمضي قدمًا في إستراتيجية التأسيس المعنوي لـ«المعبد».
ويأتي هذا الاعتداء إلى جانب سلسلة الانتهاكات التي شهدها «الأقصى» في ظل ذكرى «خراب المعبد» وبداية الشهر العبري الجديد، جزءًا من عمل «منظمات المعبد» للاستعداد لموسم الأعياد اليهودية الطويل، الذي سيبدأ في 23 سبتمبر الجاري.
سموتريتش يمول بناء «المعبد»
ومن التطورات اللافتة في الفترة الماضية، تصاعد الخطاب السياسي «الإسرائيلي» تجاه القدس و«الأقصى»، ولم يعد هذا الخطاب يحاول تورية أهدافه الحقيقية، فقد صرّح بن غفير سابقًا بأنه لا يمانع إقامة «المعبد» مكان «الأقصى»، وأشارت تصريحات الساسة «الإسرائيليين» المتكررة على رعايتهم لاقتحامات المسجد، وإيصال رسائل سياسيّة تجاه المقاومة الفلسطينية، ودعم استمرار حرب الإبادة في غزة، إضافة إلى الرعاية الرسمية لتهويد القدس، التي ظهرت مجددًا من خلال مشاركة رئيس وزراء الاحتلال في افتتاح نفق «طريق الحجاج»، إلى جانب وزير الخارجية الأمريكي، وقد أكد نتنياهو في كلمته أن القدس لن تُقسم مرة أخرى.
وفي سياق التصريحات الرسمية الخاصة بالعدوان على «الأقصى»، ففي 24/ 8/ 2025م وخلال مشاركة وزير المالية في حكومة الكيان يتسلئيل سموتريتش، في مؤتمر عُقد في كنيس «بنيامين هاما» بالقدس المحتلة لإحياء ذكرى وفاة أحد الحاخامات، قال سموتريتش: إنه جاهز لدفع المال مقابل بناء «المعبد».
وجاءت تصريحاته هذه في معرض مخاطبته رئيس بلدية الاحتلال موشيه ليون، وبحسب مصادر عبرية، فإن رئيس البلدية رد على سموتريتش قائلًا: أنت أفضل وزير مالية عرفته القدس على الإطلاق! في إشارة إلى الدعم الكبير الذي يوليه الأخير للاستيطان وتهويد القدس.
وتؤكد هذه التصريحات الأهداف المركزية للصهيونية الدينية، واستهدافهم المسجد الأقصى بشكلٍ مباشر، والمضي قدمًا في محاولات السيطرة عليه، وصولًا إلى هدمه.
الإبعاد عن «الأقصى» قبيل موسم الأعياد
توازيًا مع اقتراب موسم الأعياد بدأت أذرع الاحتلال الأمنية باستهداف المقدسيين عامة، والمرابطين على وجه الخصوص، فقد أصدرت شرطة الاحتلال خلال الأسبوعين الماضيين عشرات من قرارات الإبعاد عن «الأقصى».
وبحسب مصادر مقدسية شملت حتى منتصف سبتمبر أكثر من 50 مقدسيًا، كان بينهم عددٌ كبيرٌ من الأسرى المحررين، إلى جانب عددٍ من رموز الدفاع عن القدس و«الأقصى»، ودأبت قوات الاحتلال على استهداف العنصر البشري الإسلامي، قُبيل الأعياد اليهودية من خلال قرارات الإبعاد، وخلال هذه الأعياد، عبر تشديد القيود أمام أبواب «الأقصى» وفي محيطه، في سياق سعي أذرع الاحتلال الأمنية إلى ترسيخ مشهد المسجد الفارغ من أي مكون بشري إسلامي، في سياق سياسة ممنهجة تهدف إلى ترك «الأقصى» وحيدًا، وتهيئة الأجواء لاقتحامات واسعة تشهد أداء للطقوس العلنية، وتدنيسًا لساحات «الأقصى».
وتؤكد هذه الحملة حجم التماهي ما بين «منظمات المعبد» والشرطة «الإسرائيلية»، وتبني الأخيرة للأطروحات الرامية إلى فرض السيادة الكاملة على «الأقصى»، وقد استطاعت قوات الاحتلال فرض جملة من الوقائع في «الأقصى» في الاقتحامات الماضية، تتصل بأعداد المقتحمين، والوقت الفاصل بين أفواجهم، وصولًا إلى أوقات الاقتحامات.
وتؤكد هذه الحملة، التي تتكرر قبيل شهر رمضان، أو مواسم العدوان على «الأقصى»، أنها جزء من الدور المنوط بالأذرع الأمنية، وتستمر به في سياق تكريس إنجاز ميداني، يحقق السيادة «الإسرائيلية» على «الأقصى».
ومن هنا، يصبح إقصاء المقدسيين شرطًا أساسيًا لإنجاح هذه الرواية، إذ إن بقاء الحضور الإسلامي الشعبي يشكل تحديًا مباشرًا لأي محاولة لفرض أمر واقع جديد.
التحضير لموسم الأعياد
لم تكتف أذرع الاحتلال بما قامت به، من شن حملات الاعتقال والإبعاد، والتحضير لتصعيد القبضة الأمنية، في سياق استعداداتها لموسم الأعياد، بل بدأت أذرعها بالإعلان عن انتهاكات تترافق مع هذه الأعياد، فقد أعلنت إحدى «منظمات المعبد» عن طقوسٍ جماعية تدعى «سليخوت» ستؤدى داخل «الأقصى»، وهي سلسلة صلوات خاصة تُتلى طلبًا للمغفرة والتوبة قبيل «رأس السنة العبرية» ويوم «الغفران».
وخلال السنوات السابقة، كانت هذه الطقوس تُقام عند حائط البراق المحتل، لكنها في موسم العدوان القادم ستنفذ داخل المسجد الأقصى، وبحسب إعلان المنظمة المتطرفة ستُقام هذه الطقوس في 7 و17 سبتمبر القادم، ولا شك ستشهد الأيام القادمة المزيد من هذه الدعوات.
أخيرًا، وأمام جملة المعطيات والتطورات، سيشهد موسم الأعياد القادم تصعيدًا غير مسبوق، إن من حيث أعداد المشاركين في هذه الاقتحامات، وما يتصل بتطبيق مطالبات «منظمات المعبد» ومخططاتها، وخاصة توسيع أوقات الاقتحام، والسماح بإدخال الأدوات الدينية اليهوديّة، وصولًا إلى ترسيخ التقسيم المكاني لـ«الأقصى»، على غرار ما جرى سابقًا في المسجد الإبراهيمي في الخليل، والتصعيد الأخير تجاهه، وهو الأنموذج الذي تسعى إلى تطبيقه أذرع الاحتلال التهويدية في «الأقصى».
مجلة المجتمع الكويتية
