كيف كسر «جيل زد» احتكار الرواية الصهيونية رقمياً؟

نحاول في هذا المقال تبيان كيف كسر ما يُعرف بـ«جيل زد»، رواية الاحتلال، وتصاعد الرواية الفلسطينية في المقابل.
لعقود طويلة، احتكرت الرواية الصهيونية مساحة واسعة من الإعلام الغربي، مستفيدة من شبكة علاقات مؤسسية وتحريرية رسّخت لدى جمهورها صورة واحدة؛ مبدؤها ومنهاها الاحتلال.
ونشأت الأجيال في الغرب على هذه السرديّة؛ ما سمح للاحتلال بتبوؤ موقع متقدم في هذا السباق، وللأسف لم يستطع أن ينافسها فيه أحد، فقد احتكرت الرواية ومنصاتها، وقد استمرت على ذلك سنوات طويلة.
وعلى أثر السابع من أكتوبر، واستخدام شبكات التواصل الاجتماعي بكثافة للحديث عما يعانيه الشعب الفلسطيني، بدأ هذا الاحتكار بالتصدّع، خاصة مع دخول الأجيال الجديدة إلى ساحة الفعل الإعلامي، مستفيدة من مرونة منصات التواصل الاجتماعي، واستخدام الحقائق الواضحة التي تتمثل في فلسطين عامة وغزة على وجه الخصوص، مبتعداً عمّا يقدمه الإعلام التقليدي من رواية منحازة إلى الاحتلال.
ونحاول في هذا المقال تبيان كيف كسر ما يُعرف بـ«جيل زد»، رواية الاحتلال، وتصاعد الرواية الفلسطينية في المقابل.
جيل لا يثق بالإعلام التقليدي
قبل الحديث عن تنامي الخطاب المتضامن مع فلسطين في الأجيال الجديدة، فمن المهم إدراك أن «جيل زد» لم يقرر مناصرة القضية الفلسطينية بمحض الصدفة، بل إن بنيته الاستهلاكية للأخبار تختلف جذرياً عن الأجيال السابقة، لذلك من المهم فهم التحولات التي طرأت على سلوكياتهم تجاه الإعلام التقليدي، وكيفية الحصول على المعلومات، ومتابعة الأخبار.
ومن أبرز شواهد هذه التحولات ما كشفته دراسات مسحية، بأن نحو 78% من الفئة العمرية ما بين 18 و29 عاماً يحصلون على أخبارهم من وسائل التواصل الاجتماعي على الأقل في بعض الأحيان، وبحسب هذه المعلومات تتراجع هذه النسب كلما ازدادت الفئة العمرية، لتصل إلى أقل من 50% في الفئة ما بين 50 و55 عاماً.
ومن أبرز الشواهد الرقمية على هذا الانقلاب الفجوة الهائلة في الحضور بين أبرز وسمين في تطبيق «تيك توك»، فخلال الشهر الأول من حرب الإبادة، كشفت بيانات رسمية لمنصة «تيك توك»، أن وسم «الحرية لفلسطين» (FreePalestine#) استخدم في 214 ألف مقطع فيديو، نُشرت من الولايات المتحدة، وحصدت هذه الفيديوهات نحو 525 مليون مشاهدة.
أما على الصعيد العالمي، فقد استخدم الوسم نفسه في نحو مليون مقطع مصور، حققت نحو 4 مليارات مشاهدة، ولم يكن هذا الحجم الضخم من التفاعل والمشاهدة مقتصراً على الولايات المتحدة فقط، فقد استخدم مستخدمو التطبيق وسم فلسطين باللغة العربية، في نحو 895 ألف فيديو، حصدت نحو 7 مليارات مشاهدة (من بينها 24 ألف فيديو نُشرت من داخل الولايات المتحدة، محققة 90 مليون مشاهدة).
في المقابل، وبحسب البيانات نفسها، كان أبرز وسم مؤيد للكيان «standwithIsrael#» (متضامن مع إسرائيل)، وقد استخدم في 3 آلاف فيديو داخل الولايات المتحدة حققت 17 مليون مشاهدة، أما عالمياً؛ فقد ظهر في 13 ألف فيديو حصدت نحو 109 ملايين مشاهدة.
وتُشير هذه الأرقام، وما يتصل بها من تصاعد متابعة المنصات ذات المحتوى البصري، التي تدعم ما تقدمه من معلومات عبر مقاطع قصيرة، وخاصة تلك المرتبطة بمكان الحدث، حيث ترتكب سلطات الاحتلال الإبادة، إلى أن نسبة الذين يتابعون التطورات بشكل مباشر مع التوثيق الحي، كبيرة جداً، ما يعني أن المعركة على الرواية لم تعد تُحسم في غرف الأخبار، وقد انتقلت إلى فضاءات أخرى، كانت الخوارزميات ميدانها الآخر، وهو ما سعت القوى الكبرى الاستعمارية إلى تكميمه كذلك.
من موضوع الخبر إلى مصدر الخبر
إلى جانب ما يُمكن تسميته بأنه حالة من التضامن، والاقتراب أكثر إلى الحقيقة، شهدت الأعوام الماضية تحولاً بارزاً، تمثل في موقع الفلسطيني داخل آليات النقل الإعلامي، فعلى الرغم من الأخطار المحدقة بكل من ينقل الإبادة في غزة، فإن الصحفي الفلسطيني والإعلام المباشر من قبل النشطاء، استطاع أن يحول الفلسطيني من كونه موضوع الخبر، الذي تتناقله وتتحدث عنه وسائل الإعلام الغربية، إلى مصدر مباشر للأخبار، من خلال جهودهم، والتمسك بالتغطية، على الرغم من التهديدات الكبيرة من قبل الاحتلال.
ويرى باحثون أن مقاطع صناع المحتوى من غزة كانت قوية وشخصية، وتحوّلت إلى المصدر الأساسي للمعلومات، وتقدم رواية إنسانية معيشة تُغطي جوانب من الحرب، يعاني بسببها مئات آلاف الفلسطينيين.
ومن المهم الإشارة إلى جزء من أبطال هذه السردية، فبحسب دراسة أكاديميّة رصدت التحولات التي طرأت على صناع المحتوى من غزة من «جيل زد»، أشارت إلى أن هؤلاء كان محتواهم على «تيك توك» متناسباً مع جيلهم، من حيث مقاطع اليوميات وما يُسمى نمط الحياة وغيرها.
ومع انطلاق العدوان وحرب الإبادة، وجدوا أنفسهم في قلب الحدث، فتحوّلت مقاطعهم المباشرة وغير المُحرَّرة، بما تحمله من صدق وقرب شخصي، إلى أحد أهم منافذ المعلومات والمنظور لملايين المتابعين حول العالم، متفوقة في الأثر على ما تقدمه وسائل الإعلام التقليدية، وتؤكد هذه العبارة أهمية مقاطع هؤلاء، وكيف سعت سلطات الاحتلال إلى اعتقال بعضهم، وتصفية بعضهم الآخر، وكان آخرهم اغتيال الشاب صالح الجعفراوي على يد شرذمة من العملاء، وقد كان الشهيد الجعفراوي أنموذجاً للنقل الحرّ، والبسالة على الرغم من الأخطار المحدقة به من كل صوب واتجاه.
صناعة التفنيد الشعبي
ومن أبرز الظواهر التي أحدثها «جيل زد» في سياق تفاعله مع التطورات، إحداثه ما يشبه غرفة تحرير جماعية غير رسمية، مهمتها تفنيد الروايات المضادة بسرعة قياسية، فقد وُثّقت حالات تضليل متعددة منذ السابع من أكتوبر 2023م، وحاولت تمرير مزاعم وأكاذيب وأخبار ملفقة، إضافة إلى مقاطع مُعاد تدويرها من حالات قديمة أو دول أخرى.
ولكن هذا التفنيد الشبابي العام استطاع كشفها وتفكيكها، عبر المنصات المختلفة، وهو ما دفع لاحقاً إلى إنشاء العديد من المنصات التي تعمل على تبيان الأباطيل المنتشرة، التي يقف خلفها الكيان، في سياق سعيه إلى تشويه الشعب الفلسطيني ومقاومته.
الانعكاس على الرأي العام.. من الهامش إلى المنتصف
أظهرت المعطيات السابقة تصاعداً غير مسبوق في وسائل التواصل، ولكن النتيجة المباشرة لهذا الانتشار انعكست بازدياد الفعاليات والمسيرات الشعبية المؤيدة للفلسطينيين، ومنددة بالإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني.
فبعد عامين من بدء الإبادة الجماعية، وثق المركز الأوروبي الفلسطيني للإعلام (إيبال) أكثر من 45 ألف مظاهرة وفعالية في نحو 800 مدينة في 25 دولة أوروبية، وجاءت إيطاليا في المرتبة الأولى من حيث عدد الفعاليات بـ7643 مظاهرة وفعالية في 186 مدينة إيطالية، ثم ألمانيا في المرتبة الثانية بنحو 7 آلاف مظاهرة وفعالية، أما إسبانيا فجاءت في المرتبة الثالثة بـ5886 مظاهرة في 134 مدينة.
وبطبيعة الحال، كان «جيل زد» من أكثر الفئات العمرية مشاركة في هذه التظاهرات، وعلى المقلب الآخر؛ أظهرت استطلاعات رأي أمريكية أجريت في بداية عام 2026م، أن نحو 41% من البالغين الأمريكيين دون سن الثلاثين يتعاطفون مع الشعب الفلسطيني، مقابل 14% فقط عبّروا عن تعاطف مماثل مع المستوطنين، بينما تتصاعد هذه النسبة في الفئة العمرية فوق الخامسة والستين؛ فقد عبّر 47% منهم عن تعاطفهم مع المستوطنين مقابل 9% فقط مع الفلسطينيين، وينسحب هذا التراجع إلى النظرة إلى الحكومات، حيث تراجع التضامن مع حكومة الاحتلال بشكل كبير في كل الفئات العمرية.
أخيراً، لم يقف داعمو الكيان مكتوفي الأيدي، فقد شهدت منصات التواصل وساحات المدن في العالم، على حدٍّ سواء، قمعاً ممنهجاً لكل المتضامنين مع فلسطين وغزة، ولم يستطع هذا التضامن الفذ تغيير الانحيازات المسبقة لقادة دول الغرب مع الاحتلال، ولكنها بكل تأكيد مؤشرات إلى تغيير عميق في المواقف، خاصة مع ما قامت به الأجيال الجديدة في حروبها الصامتة تجاه التعتيم الإعلامي والقمع الخوارزمي.
فلم تعد هذه الأجيال الجديدة متلقية صامتة لرواية جاهزة، ولكنها تحوّلت إلى فاعل نشط يصنع المحتوى، ويفنّد التضليل، ويعيد إنتاج السردية الحقيقيّة، التي تنصف المظلوم، وتشوه وجه الظالم، وحتى في مواجهة آليات الحجب والقمع الخوارزمي، استطاعت الرواية الفلسطينية أن تجد طريقها إلى الملايين، عبر شاشة صغيرة في يد كل فرد من هذا الجيل، لتثبت أن احتكار الرواية لم يعد ممكناً.
