علي حسن إبراهيم
القدس

مشاركة روبيو في افتتاح نفق "طريق الحجاج".. دلالات التماهي الأمريكي مع تهويد القدس

١٨ سبتمبر ٢٠٢٥·القدس، الاستيطان، الحفريات، سلوان
مشاركة روبيو في افتتاح نفق "طريق الحجاج".. دلالات التماهي الأمريكي مع تهويد القدس

لم يكن من المستغرب أن يشارك وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في طقوس دينيّة يهودية عند حائط البراق المحتل، أو أن يحضر افتتاح نفق "طريق الحجاج" التهويدي أسفل بلدة سلوان جنوبي المسجد الأقصى المبارك، فهذا جزء من العدوان الذي تقوم به الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وإدارة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب على وجه الخصوص، مستهدفةً القدس والأقصى وكل فلسطين، من خلال الدعم اللامحدود الذي تقدمه إلى الحكومة الإسرائيليّة، وتغطية ما تقوم به من مجازر في غزة، وعدوان على البلدان العربية والإسلامية، ونحاول في هذا المقال تسليط الضوء على سلوك فريق ترامب تجاه القدس والأقصى، ودلالات مشاركة روبيو في هذه الانتهاكات بالتوازي مع عقد القمة العربية – الإسلامية في الدوحة.

حجم الخط

لم يكن من المستغرب أن يشارك وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في طقوس دينيّة يهودية عند حائط البراق المحتل، أو أن يحضر افتتاح نفق "طريق الحجاج" التهويدي أسفل بلدة سلوان جنوبي المسجد الأقصى المبارك، فهذا جزء من العدوان الذي تقوم به الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وإدارة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب على وجه الخصوص، مستهدفةً القدس والأقصى وكل فلسطين، من خلال الدعم اللامحدود الذي تقدمه إلى الحكومة الإسرائيليّة، وتغطية ما تقوم به من مجازر في غزة، وعدوان على البلدان العربية والإسلامية، ونحاول في هذا المقال تسليط الضوء على سلوك فريق ترامب تجاه القدس والأقصى، ودلالات مشاركة روبيو في هذه الانتهاكات بالتوازي مع عقد القمة العربية – الإسلامية في الدوحة.

 

من البيت الأبيض إلى القدس: حضور المسيحية الصهيونية

 

تتماشى تصرفات روبيو الأخيرة، وتصريحات سفير الولايات المتحدة الأمريكية في الأراضي المحتلة مايك هاكابي، أو ممثله في المنطقة توماس باراك، تمامًا مع مواقف إدارة ترامب، في تقديم الدعم المطلق للاحتلال، وتبرير ما يقومون به، بل وصلت إلى حدّ الدعوة المباشرة إلى تغيير الحدود الحالية، بذريعة أن أراضي كيان الاحتلال أصغر مما يجب، وفي هذا السياق من المهم الإشارة إلى أن صحيفة "هآرتس" العبرية، أشارت مع بداية اختيار ترامب لفريقه، إلى أن هذه التعيينات تتماشي مع سياسة تقديم المزيد من الدعم لليمين الإسرائيلي، كما وصف -حينها- تقرير في صحيفة الغارديان البريطانية فريق ترامب بأنه "فريق الحلم" بالنسبة لليمين الإسرائيلي، وأنهم سيقدمون "فرصة استثنائية” لتوسيع سيطرة "إسرائيل" على القدس والضفة الغربية المحتلتين.

 

ويعدّ هؤلاء جزءًا مما يسمى "المسيحية-الصهيونية"، والتي تؤمن بضرورة الدفاع عن كيان الاحتلال، وعلى دعمها بكل ما هو ممكن ومتاح، وما يتصل بالإيمان بالنبوءات التوراتية، ونهاية الزمان و"هرمجدون"، وعودة "المسيح المخلص" وغيرها، وقد انتشرت مع تولي وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، مقاطع مصورة قبل توليه منصبه، تُظهر إيمانه العميق بفكرة "المعبد" المزعوم، فقد نشرت مصادر عبرية تصريحًا له في عام 2018، خلال خطابٍ ألقاه في القدس المحتلة قال خلاله: "لا يوجد سبب يجعل معجزة إعادة بناء المعبد في جبل المعبد مستحيلة"، كما وشم جسده بالصليب الذي يحاكي ذلك الذي اتخذته الحملات الفرنجة على المشرق، وبطبيعة الحال هذا الانحياز الكامل للاحتلال، والموروث الديني الذي يتصل بها، لم يبقَ حبيس التصريحات والأحاديث الإعلامية فقط، بل تُرجمت على أرض الواقع من خلال الدعم الأمريكي غير المسبوق للاحتلال، لإسرائيل، سواء في استمرار المجازر ضد الفلسطينيين في قطاع غزة دون ضغط حقيقي لوقف إطلاق النار، أو في تسريع وتيرة تهويد القدس ومحاولات ضم الضفة الغربية، والدعوة إلى توسيع حدود الاحتلال.

 

حلقة متصلة من العدوان على القدس

 

إن مشاركة وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، في هذه الاعتداءات ليست إلا حلقة في سلسلة السياسات الأمريكية تحت قيادة ترامب، الذي يُعد أول رئيس أمريكي ينقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، ويُدشّنها بحضور ابنته وصهره، ويعلن اعترافه بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال. وعلى غرار مشاركة روبيو الأخيرة، في افتتاح النفق التهويدي أسفل بلدة سلوان، فقد سبقه في هذا سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل ومبعوث ترامب للشرق الأوسط؛ ففي 30/6/2019، شارك مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون في افتتاح المرحلة الأولى من نفق "طريق الحجاج"، الذي يمتد 300 متر بعرض 7 أمتار، من عين سلوان جنوبي الأقصى إلى منتصف طريق وادي حلوة، وشارك في حفل الافتتاح كل من ديفيد فريدمان، السفير الأمريكي آنذاك، وجيسون غرينبلات، مبعوث البيت الأبيض، وسارة نتنياهو، زوجة رئيس الوزراء الإسرائيلي، وغيرهم. وقد وثّقت مقاطع فيديو لحظات مشاركتهم المباشرة في الهدم، حيث تعاقبوا على حمل المطرقة لهدم جدارٍ بُني خصيصًا لهذا المشهد الرمزي، وهو النفق نفسه الذي افتتحه روبيو رفقة نتنياهو، ولكنه الآن يمتد على مسافة 600 متر، ويُعدّ من أكبر الأنفاق التهويدية الجديدة أسفل المدينة المحتلة.

 

ما وراء المشاركة: الدلالات السياسية والدينية

 

ومع الأمثلة الماضية من القرارات التي أصدرتها الإدارة الأمريكية في عهد ترامب خلال مدته السابقة، وما جرى في الأسابيع الماضية، تؤكد أن هذه المشاركة ليست عابرة البتّة، بل تحمل جملة من الدلالات الخطيرة، أخطرها توقيت الحدث، فقد شارط روبيو في الافتتاح قبيل عقد القمة العربية-الإسلامية الاستثنائية، لبحث العدوان الإسرائيلي على الدوحة، فعلى الرغم من الرفض العلني والانزعاج الأمريكي، الذي حاولت إدارة ترامب الترويج له، إلى أن الرد الحقيقي جاء قرب المسجد الأقصى، وتدنيس روبيو رفقة نتنياهو لحائط البراق، ومن ثم النفق التهويدي، وفي استقراء المعنى المضمر، بأن الإدارة الأمريكية تُعطي الضوء الأخضر لاستهداف مدن العالم الإسلامي وعواصمه، وتُشارك مباشرة في تدنيس ثالث المقدسات الإسلامية، في سياق إيمانها الجليّ بأحقية الكيان لها، وتشريع ما تقوم به من تهويد واستهداف وغيرها.

 

وإلى جانب النقاط آنفة الذكر، نسلط الضوء على جملةٍ من الدلالات الخطيرة، وهي:

 

أولًا، الرعاية الرسمية الإسرائيلية لتهويد القدس، إذ تُشير مشاركة نتنياهو في افتتاح النفق، وعقد اجتماعات الحكومة في أنفاق أسفل الجهة الغربية في أوقاتٍ سابقة، إلى أن ما تقوم به أذرع الاحتلال التهويدية يمضي قدمًا، برعاية مباشرة من سلطات الاحتلال، وابتداءً برأس الحكومة الإسرائيلية.

 

ثانيًا، التماهي الأمريكي، مع أطروحات هذه الحكومة اليمينية المتطرفة، والذي وصل حدّ تأمين الغطاء للمضي في قضم أجزاء من الضفة الغربية، والمشاركة المباشرة في تهويد القدس المحتلة، إلى جانب أنها تمثل غطاءً أمريكيًا مباشرًا لأعمال التهويد، وهو ما يتصل بالاعتراف السابق بسيادة كيان الاحتلال على شطري القدس المحتلة، والاعتراف بها عاصمة للكيان، وهو ما يرفع من خطورة ما يُمكن أن تقوم به أذرع الاحتلال داخل الأقصى بالتزامن مع موسم الأعياد العبرية القادم.

 

ثالثًا، ما قام به وزير الخارجية الأمريكي روبيو، تُؤكد التزام الإدارة الأمريكية الحالية بتوجهات اليمين المسيحي الصهيوني، ما يعني أن السياسات الأمريكية في المنطقة ستستمر في دعم المشاريع الاستيطانية، والسماح للاحتلال بحسم مختلف الملفات والقضايا، ابتداءً من القدس والأقصى ووصولًا إلى غزة.

 

رابعًا، محاولات الاحتلال المضي قدمًا في حسم هوية القدس، ومن المعروف أن الاحتلال يسعى إلى تحويل القدس إلى عاصمة يهودية المعالم والسكان، وهو ما يعني أن المرحلة القادمة ستشهد مزيدًا من الاستهداف لهذه المدينة وسكانها، وفي القلب منها المسجد الأقصى المبارك.

 

فلسطين أون لاين