علي حسن إبراهيم
القدس

«مقبرة باب الرحمة» في مرمى مشاريع التهويد والإحلال

٤ أكتوبر ٢٠٢٦·القدس، الأقصى، المقدسات، التهويد، اقتاحامات، تقسيم
«مقبرة باب الرحمة» في مرمى مشاريع التهويد والإحلال

تبرز «مقبرة باب الرحمة» كأبرز الأوقاف الإسلامية التي تستهدفها أذرع الاحتلال التهويديّة، لأهميتها الدينيّة والتاريخيّة والحضاريّة من جهة، ولموقعها الملاصق للمسجد الأقصى، من جهة أخرى، وهو موقع بالغ الأهمية، حيث تقع المقبرة على المقلب الآخر من سور «الأقصى» من الخارج، لتلاصق ساحات المسجد الشرقية، وتتصاعد مخططات استهداف المقبرة، حيث يسعى الاحتلال اختراقها والسيطرة عليها لتمرير جملةٍ من مخططات التهويد.

حجم الخط

تشهد مدينة القدس المحتلة صراعًا مفتوحًا يستهدف فيه الاحتلال أسوارها ومقدساتها وأزقتها وسكانها، ويسعى الاحتلال من خلالها إلى محو كل أثرٍ يُدلّل إلى الهوية العربية والإسلامية للمدينة.

وفي هذا الصراع المحموم، تمتدّ مخططات التهويد لتطال كلّ ما في هذه المدينة من معالم وأحياء، وصولًا ليطال شواهد التاريخ وتلك البقاع التي تضمّ رُفات الأموات.

وفي هذا السياق، تبرز «مقبرة باب الرحمة» كأبرز الأوقاف الإسلامية التي تستهدفها أذرع الاحتلال التهويديّة، لأهميتها الدينيّة والتاريخيّة والحضاريّة من جهة، ولموقعها الملاصق للمسجد الأقصى، من جهة أخرى، وهو موقع بالغ الأهمية، حيث تقع المقبرة على المقلب الآخر من سور «الأقصى» من الخارج، لتلاصق ساحات المسجد الشرقية، وتتصاعد مخططات استهداف المقبرة، حيث يسعى الاحتلال اختراقها والسيطرة عليها لتمرير جملةٍ من مخططات التهويد.

مقبرة باب الرحمة.. الموقع وأبرز المدفونين

تقع المقبرة عند السور الشرقي للمسجد الأقصى، وتصل مساحتها إلى نحو 23 دونمًا، وتمتد من باب الأسباط بطول 261 مترًا ملاصقةً لأسوار «الأقصى» من الجهة الجنوبية الشرقية حتى منطقة القصور الأموية، وتضمّ المقبرة عددًا من قبور الصحابة الكرام، من بينهم قبر الصحابيّ الجليل عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وهو من الصحابة الذين أرسلهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد فتح الشام لتعليم الناس القرآن، وهو أوّل من ولي قضاء فلسطين، ولي قضاء القدس نحوًا من 17 عامًا، وتوفي عام 34هـ، ودفن في مقبرة باب الرحمة.

وفيها كذلك قبر الصحابيّ شداد بن أوس بن المنذر الأنصاري رضي الله عنه، من الصحابة الذين سكنوا في مدينة القدس، كان كثير الورع والعبادة، وتوفي عام 58هـ، دفن في مقبرة باب الرحمة، ودُفن في المقبرة شهداء ارتقوا خلال الفتح العمري والتحرير الصلاحي للمدينة، إضافةً إلى عددٍ من كبار علماء فلسطين والقدس.

محطات استهداف مقبرة باب الرحمة

في ظل مساعي الاحتلال لتطويق البلدة القديمة بمشاريع تهويدية ضخمة، ركزت أذرع الاحتلال على المقبرة، وسعت خلال السنوات الماضية إلى اقتطاع أجزاء منها، وتحويلها إلى جزءٍ من «الحدائق التوراتية».

بدأت ملامح هذا المخطط حين صادرت بلدية الاحتلال جزءًا من المقبرة في عام 1995م، وادعى المستوطن آريه كينغ ملكيته لمساحة 1800 متر مربع من المقبرة تضم عشرات القبور.

وتوالت الاستهدافات لاحقًا عبر سلسلة من الدعاوى القضائية؛ ففي عام 2006م، رفعت «اللجنة العامة لمكافحة تدمير الآثار» دعوى لوقف توسعة المقبرة تمهيدًا لإجراء تنقيبات أثرية.

وفي عام 2009م، قُدّم التماس يطالب بمنع دفن المسلمين وتحويل المساحة لمتنزه عام، وهو ما تُوّج بقرار من المحكمة العليا عام 2011م يقضي باقتطاع مساحات من المقبرة وتحويلها إلى جزء من «الحدائق التوراتية».

مشاريع العزل والتقسيم حول «الأقصى»

لا تتوقف مخططات الاحتلال لقضم المقبرة عند حدود الحدائق فقط، حيث برز خلال السنوات الماضية مشروع «القطار الهوائي الخفيف» (التلفريك)، كأحد مشاريع البنية التحتيّة التهويديّة، الذي من المزمع أن يخترق سماء المنطقة ليربط جبل المشارف بحائط البراق المحتلّ.

وخلال السنوات الماضية، أقدمت طواقم الاحتلال على اقتحام المقبرة مرارًا، وأخذ قياسات في الجزء الشرقي لسور المسجد الأقصى لتحديد مسارات ومحطات هذا المشروع، وتهيئة قواعد الأبراج التي ستحمل عربات القطار الخفيف، إلى جانب تسييج أجزاء من المقبرة، ووضع لافتات تمنع المسلمين من دفن موتاهم في المناطق المستهدفة، إضافةً إلى تجريف بعض القبور وصب الباطون فوقها لطمس معالمها، واقتلاع عددٍ من الأشجار من المقبرة.

تصاعد الطقوس التلمودية وتكريس الأمر الواقع

وتزامنًا مع تصاعد استهداف المسجد الأقصى خلال السنوات الأخيرة، وتصاعد تطبيق إستراتيجية «التأسيس المعنوي للمعبد»، باتت المقبرة ساحة مفتوحة يؤدي فيها المستوطنون الطقوس العلنية، حيث يتعمد المستوطنون أداء طقوسهم فوق قبور المسلمين، وهو سلوك يزداد بالتزامن مع الأعياد العبرية.

ويأتي هذا الاستهداف من خلال التصور التوراتي لهذه المواضع، حيث يعتقدون بأن «المخلص المنتظر» سيدخل -على زعمهم- «الأقصى» من باب الرحمة، وأن باب الرحمة بُني على أنقاض البوابة الشرقية لـ«المعبد».

وقد شهدت المقبرة تصعيدًا لافتًا، ومن شواهده ففي أواخر عام 2022م، أدخل مستوطنون «القرابين النباتية» ونفخوا في بوق «الشوفار» خلال موسم الأعياد العبرية الطويل، وفي أبريل 2025م، اقتحم المقبرة مئات المستوطنين، أدوا طقوسًا علنية فوق قبور المسلمين.

وعادت هذه الاعتداءات إلى الواجهة مجددًا خلال موسم الأعياد العبريّة الحاليّ، فعلى أثر دعوات أطلقها الضابط السابق أوري أوهيون في منتصف أغسطس الماضي، لاستحداث بؤرة طقوس دائمة أمام باب الرحمة، انطلقت طقوس جماعية متكررة، رافقها نفخ في «الشوفار»، داخل المقبرة.

وفي 13 سبتمبر 2026م، تزامنت هذه الاعتداءات مع «صلاة جماعية تاريخية» داخل ساحات «الأقصى» الشرقية بمشاركة نحو 220 مستوطنًا، حيث نُسّق نفخ في بوق «الشوفار»، من داخل المسجد ومن خارج سوره (داخل المقبرة) في اللحظة ذاتها.

وتعكس هذه التطورات سعيًا حثيثًا لدى أذرع الاحتلال المتطرفة لتصعيد الحضور اليهودي في المقبرة وتكثيفه، وفرض السيطرة بشكلٍ كامل على المقبرة، بهدف اقتطاع واجهة المقبرة الملاصقة للجدار الشرقي، وهو ما يمهد لتحويلها إلى «حائط مبكى» جديد من الجهة الشرقية هذه المرة.

أهداف استهداف مقبرة باب الرحمة

تتقاطع مساعي الاحتلال وأذرعه المختلفة، لاستهداف المقبرة، عند 3 أهداف إستراتيجية مترابطة، وهي:

1- تمرير المشاريع الاستيطانية: يُعد السيطرة على المقبرة خطوة أساسية لتنفيذ مشروع «زاموش»، الرامي لإحاطة البلدة القديمة بـ«الحدائق التوراتيّة»، إلى جانب مشاريع أخرى على غرار مشروع التلفريك (القطار الهوائي المعلق)، الذي يربط جبل المشارف بحائط البراق المحتلّ؛ ما يؤدي إلى عزل المسجد الأقصى تمامًا عن محيطه الشرقي والجنوبي، ويسمح بمزيدٍ من الحركة للمستوطنين في هذه المناطق.

2- التقسيم المكاني واستهداف «الأقصى»: يندرج استهداف المقبرة ضمن خطط السيطرة على المنطقة الشرقية لـ«الأقصى»، إذ يطمح الاحتلال لتحويل الجزء المقتطع من المقبرة إلى «حائط مبكى» جديد، وافتتاح باب الرحمة المغلق أمام الجماعات المتطرفة، مستندين إلى مزاعم بوجود آثار لـ«المعبد» أسفل الجدار الشرقي، وما يتصل بتصاعد العدوان على هذا الجزء من المسجد.

3- طمس الهوية العربية والإسلامية: يسعى الاحتلال إلى محو المعالم التاريخية والحضارية، التي ترتبط بهوية القدس العربية والإسلامية، وتدلّل على عروبة المدينة، ويعمل في المقابل على زرع آلاف القبور اليهوديّة الوهميّة، لتثبيت رواية تلمودية مختلقة في محيط «الأقصى».

أخيرًا، تُبيّن القراءة المتأنية لهذه المشاريع مجتمعة، بأنها تهدف إلى عزل المسجد الأقصى بالكامل عن امتداده الثقافي والحضاري من الجهتين الشرقية والجنوبية، ويتصل استهداف المقبرة بشكلٍ وثيق مع مخططات التقسيم المكاني للمسجد، وتحديدًا ساحات المسجد الشرقية ومحيط مصلى باب الرحمة، حيث يتعمد الاحتلال تهميش هذه المنطقة، مع الاستمرار في الضغط لإعادة إغلاق مصلى باب الرحمة، بالتوازي مع تصاعد أداء الطقوس اليهوديّة العلنية خلال اقتحامات المسجد شبه اليوميّة.