علي حسن إبراهيم
تاريخية

من 1967 إلى اليوم.. ظلال النكسة التي تخنق القدس

٧ يونيو ٢٠٢٦·القدس، النكسة، الواقع، التهويد، الأسرلة
من 1967 إلى اليوم.. ظلال النكسة التي تخنق القدس

يسلط الضوء على ظلال «النكسة» التي ما زالت تخنق القدس وأهلها.

حجم الخط

ظلّ صباح السابع من يونيو محفوراً في ذاكرة كل من عاش تلك الواقعة، ومن لم يعشها كذلك.

 

ففي ذلك اليوم، شهد الفلسطينيون في القدس احتلال جيش الكيان لمدينتهم، ورأوا آليات العدو تتمركز في ساحات المسجد الأقصى في مشهدٍ مقصود لإظهار الانتصار، وإعلان السيطرة على المدينة من داخل المسجد، لما له من مركزية وأهمية لدى الفلسطينيين خاصة، ولدى العرب والمسلمين بشكلٍ عام.

 

وبعد نحو 59 عامًا، لم تتغير صباحات المدينة كثيرًا، لم تعد فيها القدس كما كانت، ولكنها مخنوقة بالحواجز والجنود المدججين بالسلاح، واختفت الآليات العسكرية الضخمة، وحلّ محلها المستوطنون في كلّ ركنٍ وزاوية من هذه المدينة، فالتضييقات حاضرة، والبؤر الاستيطانية كخلايا السرطان التي تنهش جسد المدينة، وفي هذا السياق، نسلط الضوء على ظلال «النكسة» التي ما زالت تخنق القدس وأهلها.

 

قلب المدينة المستهدف.. معركة السيادة على المسرى

 

سعت سلطات الاحتلال إلى فرض سيطرتها الكاملة على المسجد الأقصى، منذ اللحظات الأولى لاحتلال الشطر الشرقي من القدس عام 1967م، فلم تُقم الجمعة الأولى التي أعقبت الاحتلال في 9/ 6/ 1967م، ولم تُعقد الصلاة إلا بعد سحب سلطات الاحتلال لجنودها من كامل مساحة «الأقصى».

 

ولم يمض شهر على احتلال شطر القدس الشرقي، حتى حاولت سلطات الاحتلال إلحاق المسجد الأقصى والأوقاف الإسلامية في المدينة بوزارة الأديان «الإسرائيلية»، وهو ما رفضته الشخصيات الإسلامية في المدينة، من علماء ومفتين ومشايخ، وأجبروا الاحتلال على التراجع عن محاولة فرض وزارة الأديان وصيّة على المسجد الأقصى.

 

على الرغم من تراجع الاحتلال المرحليّ حينها، فإنه استطاع السيطرة على باب المغاربة، الذي أصبح منطلق العدوان على المسجد، ومنه يدخل المستوطنون لاقتحام المسجد الأقصى، وبالتزامن مع هذه الاقتحامات عاد جنود الاحتلال مرة أخرى إلى «الأقصى»، لحماية مقتحمي «الأقصى» من المستوطنين وساسة الاحتلال، وإقصاء العنصر البشري الإسلامي، ومن ثمّ حماية المقتحمين أثناء أدائهم الطقوس اليهوديّة العلنية، بالتوازي مع محاولة فرض السيادة الكاملة على المسجد، عبر نصب الحواجز المعدنية أمام أبواب المسجد، وفرض القيود العمرية المختلفة، واقتحام «الأقصى» بصورة عنيفة ومتكررة، وصولًا إلى التدخل في شؤونه وإدارته، ومنع دائرة الأوقاف من القيام بمهامها، والسعي إلى إخراجها بشكلٍ كامل من دائرة الحدث.

 

التهجير الصامت.. الجرافة والقانون في خدمة الاستيطان

 

شكل احتلال عام 1967م محطة فاصلة، فتحت المجال أمام الاحتلال ليمضي قدمًا في هدفه المركزي، المتمثل بتحويل القدس إلى عاصمة لكيانه المزعوم، التي يريد لها أن تكون يهوديّة المعالم والسكان، ومع تأكيده على كون القدس «عاصمة أبدية» لكيانه.

 

فقد عمل على استبدال أدوات الإحلال الديموغرافي بالأدوات العسكرية، مستخدمًا الجرافة بديلًا عن الدبابة، واستخدم ترسانةً ضخمة من القوانين والقيود والسياسات البيروقراطية، التي تهدف إلى تغيير الميزان الديموغرافي للمدينة المحتلة، وتحويل الفلسطينيين إلى كتلة بشرية هامشيّة، في مقابل فتح المجال أمام المستوطنين للسكنى في المدينة، وتقديم التسهيلات المختلفة، لتوسيع المستوطنات، وابتلاع أراضي الفلسطينيين، ودفعهم للخروج من مدينتهم بمختلف الوسائل المتاحة، ابتداءً بهدم المنازل، والحرمان من السكن، وصولًا إلى القمع المباشر، والاستهداف الممنهج.

 

وفي ظل هذه السياسات التهويديّة الكثيرة والمعقدة، يعيش المقدسي في قلقٍ دائم من سحب حقه في الإقامة في مدينته بحجج قانونية واهية، وتتصاعد في الأشهر الماضية قرارات الاحتلال الاستيطانية في أحياء الشيخ جراح وسلوان، وغيرها من المناطق في القدس المحتلة، فلا ينام الأهالي مطمئنين، خوفًا من قراراتٍ جائرة، تسلب منهم منازلهم، وتحويلهم بجرة قلم إلى عائلات من دون مأوى، في سياق هجمة تهويديّة كبيرة تقودها جمعيات استيطانية ومن خلفها حكومة الاحتلال، للسيطرة على أحياء إضافية من الشطر الشرقي من القدس المحتلة، وتكثيف الحضور الاستيطاني في هذه الأحياء.

 

ويراهن الاحتلال على الاستيطان المتدرج، الذي يستطيع من خلاله فرض المزيد من السيطرة على الأراضي الفلسطينية، وتعزيز حضور مستوطنيه في القدس المحتلة، فما بين عامي 2014 و2025م أقرت سلطات الاحتلال مخططات لبناء نحو 131545 وحدة استيطانية جديدة، وهو رقم ضخم جدًا في نحو 11 عامًا، ولا شك أن إقرار هذه المشاريع الاستيطانية، يهدف إلى تكثيف الوجود اليهودي في شطري القدس المحتلة، وتحقيق تفوق في الميزان الديموغرافي للمستوطنين على حساب الفلسطينيين.

 

جبهات القدس الخفية.. خنق المقدسيّ بصمت

 

أما على الجانب المعيشي، تسعى سياسات الاحتلال إلى خنق المقدسي، في كل قطاعاته الحياتيّة، ابتداءً من لقمة عيشه، مرورًا بالضرائب، والتعليم، وصولًا إلى الصحة، والمؤسسات الداعمة لصمود الفلسطينيين، إذ يواجه المقدسي سياسات الإفقار الممنهجة، من بينها ضريبة «الأرنونا» (ضريبة المسقوفات)، واستهداف المحال التجارية، والتضييق على حركة السكان والزوار، وما يتصل بالإجراءات الأمنية التي تضيّق على مختلف مناحي الحياة، حيث تعيش نحو 77% من الأسر المقدسية تحت خط الفقر، وتتطلب الحياة الكريمة في القدس مداخيل عالية، لا تتوفر للمقدسيين بسبب سياسات الاحتلال.

 

ولم يسلم التعليم من هذه الهجمة التهويدية الشرسة، التي بدأت منذ احتلال القدس عام 1967م، ولكن إصرار المقدسيين على المواجهة، وقيام العديد من الشخصيات بتأسيس مدارس فلسطينية لمواجهة قرارات الاحتلال، وفي مقدمتهم المربي حسني الأشهب، ولكن بسبب ترك المدارس الفلسطينية تواجه مصيرها منفردة، وفي ظل غياب الدعم اللازم، استطاع الاحتلال الانفراد بها، حيث تتعرض اليوم لمحاولات فرض المناهج الفلسطينية المحرّفة أو «الإسرائيلية» الدخيلة، في محاولة لكيّ وعي الأجيال الجديدة وقطع صلتهم بتاريخهم وقضيتهم، في سياق احتلال العقل بعد احتلال الأرض.

 

الصمود في القدس.. مقاومة

 

على الرغم من قتامة المشهد، فإن قراءة واقع القدس بعد 59 عامًا من الاحتلال، لا تكتمل من دون النظر إلى الوجه المقابل من هذه المشهدية، المتمثلة بصمود الفلسطينيين في القدس، وإرادة المغالبة لديهم في وجه ما يتعرضون له من قمعٍ ومخططات، فقد استطاع المقدسيون خلال العقود الماضية مغالبة الاحتلال وأدواته، وثبتوا في مواجهة آلة القمع الصهيونية، ابتداءً بإرادة الصلاة في «الأقصى» والرباط في جنباته، مرورًا بالتمسك بالمنهاج الفلسطيني، وصولًا إلى التشبث بالأرض وتمسك العائلات بخيامها فوق أنقاض منازلها المهدومة؛ كل هذه الصور وغيرها الكثير، أجزاء من إصرار الفلسطيني على الصمود والمواجهة، ولو كانت مواجهة «باللحم الحي» بالتعبير الفلسطيني الشائع.

 

لقد شكل التمسّك بالقدس، والسعي إلى استمرار سيرورة الحياة في المدينة المحتلّة، بكل ما تحمل هذه العبارة من صورٍ ومعانٍ وتفاصيل، إفشال يومي لمشروع «النكسة»، التي ما زالت تخنق القدس بعد 59 عامًا من انقضائها، لكنها اصطدمت بإرادة المقدسيين التي لا تلين، وتعلقهم بالمسجد الأقصى المبارك، وإصرارهم على مراغمة العدو في كل مفصلٍ من مفاصل الحياة، في معركة مستمرّة، الوعد بالنصر فيها جاء من عند الله تعالى: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) (الإسراء: 7).

 

مجلة المجتمع