علي حسن إبراهيم
القضية الفلسطينية

هندسة النسيان.. الإبادة المعرفية كآلة استعمارية لتفكيك الوعي وترسيخ التبعية

١٨ مارس ٢٠٢٦·الإبادة، المعرفية، العلم، إبادة التعليم، استهداف الجامعات، السيطرة على التعليم، غزة، القدس، فلسطين
هندسة النسيان.. الإبادة المعرفية كآلة استعمارية لتفكيك الوعي وترسيخ التبعية

تبرز الإبادة المعرفية كواحدة من أدوات الاستعمار الرامية إلى الهيمنة على الشعوب المحتلة، لتشكل جزءاً من إستراتيجية المستعمِر لترسيخ وجوده أطول فترة ممكنة، فهي إذاً عملية ممنهجة تهدف إلى تفكيك الوعي الوطني للشعوب المستعمَرة عبر محو لغاتها، وتشويه تاريخها، وإقصاء معارفها، واستبدال سردية المستعمِر التي تُفرض بقوة السلاح بها، وتستخدم المؤسسات والتعليم والبحث لفرض رؤية المحتل على أنه الحقيقة المطلقة، وتُهمش في المقابل كل ما يُنافي هذه النظرة، لتؤكد سيطرة الاستعمار الثقافية والفكرية، وهو ما يجعل الشعوب تحت الاحتلال ترى نفسها وعالمها بعيون جلادها، وتتخلى طوعياً عن هويتها، مقابل وهْم الانتماء إلى حضارة المنتصر.

حجم الخط

طالت حرب الإبادة في قطاع غزة كل مناحي الحياة وأوجهها، فلم تقف آلة القتل «الإسرائيلية» عند حدٍّ معين أو فئة بعينها، حيث فتكت بالفلسطينيين وحيواتهم إلى جانب منازلهم ومناطقهم، وصولاً إلى أوابد المعرفة والعلم، وخاصة المدارس والجامعات والمكتبات، وتشكل هذه الإبادة جزءاً من إبادة معرفية بدأت منذ وصول أوائل المستوطنين إلى فلسطين، وتصاعدت مع كل حرب يخوضها الاحتلال.

 

ويأتي استهداف المعرفة كأحد أنساق الاستعمار الغربي، فلم تستعمر الدول الكبرى بلادنا بالحديد والنار فقط، إنما شكل جوهر الاستعمار مشروعاً شاملاً لإعادة صياغة الإنسان، فعلى أثر إخضاع الآلة العسكرية للاستعمار للشعوب وخنق مقاومته، تبدأ آلة السيطرة عملها الحقيقي؛ باحتلال العقل والذاكرة، وتحويل المستعمَر ليتعلق بشكل موهوم بالمستعمِر.

 

وفي هذا السياق، تبرز الإبادة المعرفية كواحدة من أدوات الاستعمار الرامية إلى الهيمنة على الشعوب المحتلة، لتشكل جزءاً من إستراتيجية المستعمِر لترسيخ وجوده أطول فترة ممكنة، فهي إذاً عملية ممنهجة تهدف إلى تفكيك الوعي الوطني للشعوب المستعمَرة عبر محو لغاتها، وتشويه تاريخها، وإقصاء معارفها، واستبدال سردية المستعمِر التي تُفرض بقوة السلاح بها، وتستخدم المؤسسات والتعليم والبحث لفرض رؤية المحتل على أنه الحقيقة المطلقة، وتُهمش في المقابل كل ما يُنافي هذه النظرة، لتؤكد سيطرة الاستعمار الثقافية والفكرية، وهو ما يجعل الشعوب تحت الاحتلال ترى نفسها وعالمها بعيون جلادها، وتتخلى طوعياً عن هويتها، مقابل وهْم الانتماء إلى حضارة المنتصر.

 

ويسعى المقال إلى تفكيك آليات الإبادة المعرفية، مستعرضاً دورها في تدمير مناعة الشعوب، وتحويلها من أمم فاعلة إلى مجرد هوامش تابعة للمركزية الغربية.

 

القطيعة مع التاريخ نحو إبادة الذاكرة

 

إن تفكيك الاستعمار والكشف عن حقيقته، يُظهر طبيعته المتشعبة، إذ تتضمن بنيته إلى جانب الاحتلال العسكري المباشر، والسيطرة الجغرافية والأمنية، ما يُمكن أن نسميه هندسة إستراتيجية شاملة للدول الواقعة تحت نير الاستعمار، وتستهدف هذه الهندسة بنية الوعي والذاكرة لدى الشعوب المستعمرة.

 

وفي قلب هذه الإستراتيجية، تبرز الإبادة المعرفية على أنها أبرز أدوات آلة السيطرة الاستعمارية وأكثرها حضوراً ووقعاً، حيث تستخدمها سلطات الاستعمار لتفكيك الوعي الجمعي للشعب، وما يتضمنه من إرث فكري وحضاري، وخاصة ما يتضمنه هذا الإرث من بذور المواجهة.

 

يسعى أيّ احتلال بكل ما لديه من أدوات وأساليب ومؤسسات، إلى عزل الشعوب عن امتدادها التاريخي والحضاري، ويبدأ بالسيطرة على التعليم، عبر إحلال سرديته، وضرب الحياة الثقافية، وهنا تحضر أطروحات العلامة محمود شاكر، الذي سلط الضوء على محاولة الاستعمار إيجاد فجوة عميقة بين الأجيال الحديثة ووتراثها ولغتها وتاريخها، وقد أطلق على هذه الحالة اسم القطيعة.

 

فلا يكتفي المستعمر، بحسب شاكر، بطمس التاريخ، بل يجعله يبدو في عين المستعمَر متخلفاً، ورجعياً، ولا يستحق القراءة؛ ما يؤدي إلى إبادة الذاكرة طوعياً، ويؤدي هذا العزوف إلى فتح المجال أمام الاستعمار لكي يسيطر على مصادر المعرفة، ويحولها إلى أداة لترسيخ التبعية، بحيث تصبح رؤية المستعمر المرجعية الوحيدة والمهيمنة.

 

آليات الإبادة المعرفية وأدواتها

 

لا تعمل الإبادة المعرفية في الفراغ، بل تعتمد على أدوات مؤسسية تتكامل فيما بينها لإنجاز مهمة كَيِّ الوعي وتشويه الهوية، ولتحقيق ذلك تعمد الآلة الاستعمارية إلى توظيف حزمة من الآليات، من أبرزها:

 

1- هندسة اللغة واحتكار المفاهيم: لا يكتفي المستعمر بفرض لغته أو مصطلحاته، بل يسعى إلى تفكيك المنظومة المفاهيمية للشعب المستعمَر، إذ يجرّد الكلمات من دلالاتها الوطنية والتاريخيّة، ويفرض مصطلحات جديدة، تُعيد تعريف الصراع وتُجرّم أي فعلٍ مقاوم، فالمستعمر الذي يعجز عن التعبير عن قضيته ومظلوميته بمفاهيمه الأصلية، يقع فريسة الاستلاب الفكري.

 

2- السيطرة على الأرشيف وإعادة إنتاج التاريخ: يدرك المشروع الاستعماري أن من يملك الماضي يتحكم في الحاضر والمستقبل، وهو ما يُشير إلى أهمية مصادرة الأرشيفات، ونهب المكتبات، وإتلاف الوثائق كأولوية استعمارية، وهو ما قامت به دولة الكيان الصهيوني في عامي 1948 و1967م؛ حيث سيطرت على الأرشيف الفلسطيني، ومكتبات كبار الكتَّاب والأدباء الفلسطينيين.

 

وبموازاة هذا الطمس، تم اختلاق سردية تاريخية بديلة تضع المحتل في مركز التحضر، وتختزل تاريخ السكان الأصليين في هوامش التخلف وعدم الفاعلية.

 

3- الإحلال المكاني ومحو الذاكرة الجغرافية: يتلازم العنف المعرفي ارتباطاً وثيقاً بالعنف المكاني، من خلال تغيير أسماء المدن والمعالم والمقدسات، أو طمسها، في محاولة لقطع الصلة الوجدانية والتاريخية بين الإنسان ومحيطه، وهو ما تقوم به أذرع الاحتلال في مختلف الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي القدس على وجه الخصوص.

 

4- تطويع المناهج التعليمية وتشويه المرجعيات: تُعد المؤسسات التعليمية واحدة من أبرز ميادين السيطرة المعرفية، حيث يتدخل المستعمر في المناهج لضمان تنشئة أجيال مقطوعة الصلة بجذورها، منعزلة عن تاريخها، وتنظر إلى ذاتها بعيون محتليها، بهدف زرع عقدة الدونية، وتوليد نخب مشوهة الانتماء تتبنى معايير المستعمر وتدافع عن هيمنته بالوكالة.

 

إن تضافر هذه الآليات يخلق حالة من الاغتراب، حيث يصبح صاحب الأرض غريباً في وطنه وثقافته، ومستهلكاً لسردية تقصيه وتلغيه.

 

ولا تقتصر تداعيات الإبادة المعرفية على طمس الماضي، بل تمتد إلى تشويه الحاضر واغتيال المستقبل، وتتجلى الخطورة القصوى لآلة السيطرة الاستعمارية في نجاحها باختراق البنية النفسية والاجتماعية للشعب المستعمَر، حيث تُنتج حالة من الاستلاب المركّب والاغتراب عن الذات.

 

ويصبح التخلي عن الثقافة الوطنية والهوية الأصيلة وما يرتبط بالدين والعقيدة والإيمان شروطاً موهومة للارتقاء ونيل الاعتراف من المستعمِر.

 

التهويد أحد تجليات الإبادة المعرفية

 

إن من أبرز نماذج الإبادة المعرفية، التي ما زالت مستمرة حتى اليوم، يتجلى في إستراتيجيات تهويد القدس والمسجد الأقصى، ففي هذا الأنموذج، لم يكتف الاستعمار الإحلالي الصهيوني بمصادرة الأرض، وإحلال المستوطنين عليها، ولكنه يخوض حرباً شاملة لتفكيك الواقع الاجتماعي والثقافي والعمراني والسكاني للمدينة، وإعادة تركيبه وفق مقاسات الرواية الصهيونية.

 

وتتضافر في هذا المشهد آليات الإبادة المعرفية كافة؛ بدءاً من فرض الرواية الصهيونية، ومحاولات طمس الملامح المعمارية للمدينة، وصولاً إلى فرض المسميات التوراتية المختلقة على الأحياء، وتمتد هذه المخططات إلى استهداف المقدسات، وفي مقدمتها المسجد الأقصى.

 

ويطال هذا التوغل الاستعماري العقل، عبر الهجمة الممنهجة على المناهج التعليمية ومدارس القدس، حيث تتصاعد محاولات الاحتلال فرض مناهجه على المدارس الفلسطينية، وغيرها الكثير.

 

إن مواجهة آلة السيطرة الاستعمارية تظل قاصرة دون خوض غمار المقاومة المعرفية كشرط تحرري لتفكيك سردية المحتل واستعادة الوعي الوطني والرواية الأصيل، وفي ساحة اشتباك وجودي على غرار مدينة القدس المحتلة، تغدو هذه المقاومة أداة بقاء وصدّ لسياسات التهويد؛ فكل مسعى لتوثيق هوية المدينة وتاريخها وثقافة سكانها، وكل ميدان نُدافع فيه عن المسجد الأقصى، ضربٌ في عمق بنية الاحتلال، وعرقلة لاستمرار الإبادة المعرفية، لأن الاستعمار -الاحتلال- يُدرك يقيناً أن العقل المتمسك بهويته، والرافض للهزيمة المعرفية، عصيٌّ على التطويع أو الإبادة.

 

مجلة المجتمع الكويتية