علي حسن إبراهيم

أن تكون حطباً يُتقد

٣ مايو ٢٠٢٥

أن تكون حطباً يُتقد

ما يجري اليوم أنّ عملك وما تنجزه وتنتجه يتحوّل إلى حطبٍ، يُوقِدُ به مرؤوسوك مواقدهم، فيرتقون به من حيث المكانة والمسؤولية، فيما تظل أنت قابعاً في الظلمة.

حجم الخط

كثيراً ما أتوقّف عند هذا العالم المُتسارع، إذ باتت الأرقام تحكمنا أكثر مما نحكمها، وتُقيَّم حتى أرواحنا، بما ننجزه لا بما نحمله من قيم أو أفكار ومبادئ. وأصبحت مفاهيم الإنتاجية والكثافة تنهال علينا كالسيل الجارف، وكأنها أحكام نهائية لبشريّة لم يَعد مرغوباً بها، فتضعنا على ميزان دقيق جداً، لا يعترف إلّا بالرموز الحاسوبية والجداول البيانيّة، مهما كان موقعك واهتمامك وعمق ما تقدّمه وتؤمن به، فيصبح الإنسان في أتون هذه الآلة الجبارة حطباً لا يُنظر إليه إلّا من ناحية قدرته على الاشتعال.


تسليع الأهداف وضياع الإنسان

تلفت نظري كثيراً تلك المقاطع التي تتناول فكرة تحقيق الأهداف في العمل والشركات، وبلغة اليوم السائدة هو "التارغيت"، وأنّ الموظف الذي لا يُحقّق ما عليه من أهداف سيكون عرضة للمساءلة وربما العقاب وصولاً إلى الفصل النهائي، لئلا يكون عالةً تثقل كاهل الشركة، ولا يساهم في وصولها إلى الأهداف المالية المُتعاظمة، وما بين تلك المقاطع التمثيليّة منها، وتلك التي تتحدّث عن أساليب الوصول إلى الأهداف وغيرها، يُمكن للحاذق رصد جوانب مُخيفة، فمن تسليع كلّ شيء في هذه الدنيا، حتى الأداء العام في العمل والحياة، وصولاً إلى سيادة "الأرقام"، التي أصبحت بكلّ أسف أهم من بشريّتنا، وأننا سنظلّ مسؤولين عمّا "نحقّقه"، وبطبيعة الحال ما "نجنيه"، بغضّ النظر عمّا كانت عليه أعمالنا وأهدافنا.

الكاتب موظّف أيضاً: الإنتاج غير المادي في ميزان الأرقام

وعلى الرغم من أنّني لم أعمل في حياتي في بيئة تكون الأهداف فيها رقمية مجرّدة، ترتبط بالمبيعات والعائدات المجرّدة، إلّا أنني أعي تلك الفكرة تماماً، فالموظّف ولو كان كاتباً أو باحثاً أو مُعِداً، هو موظّف في نهاية المطاف، وستظل "إنجازاته" وما أنتجه من محتوى مهما كان نوعه هو المسألة الأساسية، إذ سيكون لدى أحدٍ من مدرائه إطلالة على ما حقّقه، كم كتب؟ وكم أنجز؟ وكم هي أهمية هذا النّتاج...، أو على أقل تقدير وهي سمة أخرى من سمات العقليات الإدارية التاجرة، كم ساعة داوم؟ وما هو وقت الحضور والمغادرة؟ وما بين ذلك تعود لغة الأرقام من جديد، إنْ للخصم في نهاية الشهر، أو على أقل تقدير تمرّ القضايا السابقة مرور الكرام، فيحصل الموظّف على راتبه، وهي صورةٌ أخرى من حصار الأرقام المطبق، وتغوّلها على حيواتنا على نحوٍ مفرط، كأنها وحش لا يُبقي ولا يذر.

عندما يصبح الإنسان حطباً: منجزٌ يُوقد به الآخرون نيرانهم

أظنّ أنّ هذه الحالة لا فكاك منها، بحالٍ من الأحوال، ولست ممن يريد وظيفة من دون عمل أو مهمات، لكنّ الحالة القاتمة هنا أن يتحوّل عملك وما تنجزه وتنتجه إلى حطبٍ، يوقد به مرؤوسوك مواقدهم، فيرتقون به من حيث المكانة والمسؤولية، وتظل أنت قابعاً في الظلمة، مقصى في هامشٍ قصيّ عن تلك المساحات الواسعة من التأثير والتقدّم، فتمضي السنوات وما زال المرء قابعاً في المكان ذاته، وها هنا لا أهمية للمسؤوليات أو الأثر في كلّ المساحات، فستظل أنت وما تنتجه حطباً، مهمته أن توقد الآلة الكبيرة، أو أن تشكّل شرارة يفخر بها من هم فوقك لا أكثر ولا أقلّ.

يساورني هذا الشعور بكثرة في الآونة الماضية، فاعتبار السوق هو الحاكم، وكأنك رُزمة من الحطب، يُدفع فيك سعر السوق، بمعزلٍ عن كُنه نفسك، ولو كنت من أعوادٍ يمكن أن يصنع منها أغلى بخورٍ في العالم، أو من عيدانٍ يابسة جافة، لا تصلح إلّا للنار، وفي الحالتين النظرة ستظلّ حزمة من الحطب لا أكثر ولا أقل. 


الاحتراق البطيء في ساحة العمل

لا ريب فإنّ عامل العمر مؤثّر كثيراً على واقع المرء في أيّ مجال وبيئة، وفي العمل على وجه الخصوص، فمركب العمر لا يتوقّف، والبقاء على حالة واحدة مريحة في جوانب التخصّص والتعمّق، فإنّها محرقة في جوانب أخرى، تتعلّق بآفاق رحبة يُمكن للمرء استكشافها، بعيداً عن الدوائر ذاتها، وحالة "الاتقاد" المجرّد لمصلحة الآخرين، ولكن الإنسان لا يملك تلك السعة للبحث عن أهدافه البعيدة، فيتحوّل في لحظة ما كمن يبحث عن سراب، لا يُمكنه أن يصل إليه البتة، وكأننا نعيش في الوقت بدل الضائع، نقترب من منتصف العمر، وما زلنا نبحث عن الحياة، تأخذنا التفاصيل ونعبّ منها حتى الثّمالة، حتى أصبح الواحد منّا يؤرّخ لسنِيِّ عمره بالعقود لا بالأحلام والآمال، وكنّا منذ حين.. نحسبُها بالأشهر والأعوام المعدودة القليلة، لعمري قد غزا الشيب أفئدتنا قبل مفارقنا.

الترحال والتيه: عن سؤال الوجهة وفقدان البوصلة

من أصعب الأمراض أن يعتاد المرء الابتعاد، وأن يهوى الترحال، فلا يستقرّ في مكانه لظروفٍ كثيرة، إلّا تراه يبحث عن الوجهة القادمة، ولكن ما هي؟ وكيف يصل إليها؟، فتراه يكرّر هذا السؤال باستمرار، أين أنا؟ ليست حالة من التيه، ولكنّها أسئلة تنبع من دواخل مبعثرة، تبحث عن المكان والمكانة، وتحاول استكشاف المُمكن في زمنٍ طغت فيه غير الممكنات، والوصول إلى تقييمٍ مضى عن وقته، وسفينة تمضي في لجّة من التراكمات والأفكار، لم يكن ذلك هو الحال دائماً، ولكنّ الحبل عندما يلتفّ بقوّة على يدك أو عنقك، يلذعك بألمٍ حارق شديد، ويترك أثراً واضحاً، وعلامات غائرة، ويمكن أن يُقتل من التفّ عليه الحبل، فلا ريب أننا بحاجة لنفكّك هذه الحبال، لا لأنها قاتلة، بل لأننا في أحايين كثيرة لم نعد نشعر بوجعها، والمهم في تلك الحالة، وفي رحلة تجاوز الألم والشفاء منه، ألّا نختنق بالحبال ذاتها من دون أن نشعر.


ربما لن ننجو من هذه الآلة، وبكلّ تأكيد لن يكون الجميع قادراً على مواجهتها، لكننا نستطيع أن نحتفظ بما تبقّى من إنسانيتنا بين تروسها الجامحة، فثمّة في دواخلنا قبسٌ نورانيّ، عصيّ على الاختفاء، وجزء أساسيّ من سيرورة النجاة عندما نعيد تعريفنا لأنفسنا بما نحن عليه، لا بما نُنجزه فحسب.