علي حسن إبراهيم

إني صدى صوتك يا أبي

١٥ يونيو ٢٠٢٦

إني صدى صوتك يا أبي

إني صدى صوتك يا أبي نعود لنشبه آباءنا، شئنا أم أبينا، وسنكون صورة مصغرة منهم من صوتهم وكلامهم، ومن طريقة مشيتهم.

حجم الخط

ينغمس المرء في هموم حياته اليومية، وتلك التفاصيل والمهام، فتنساب الأيام من أعمارنا، كما ينساب الماء من كفي أحدنا، مهما حاولنا أن نحتفظ بالماء، فلا شك أنه سيتسرب قليلًا أو كثيرًا، تبقى الذكريات والمحطات التي تمر بنا، كما يبقى أثر البرودة جراء الماء المنساب، ولكن الحياة التي تعيشها بكامل حواسك متفرغًا تختلف عن تلك ذات الإيقاع السريع المتلاحق، حتى خيّل في السنوات الماضية أن هذه الأعوام تمرّ ولا تكاد تترك أي أثر، حتى أثر هذه الذكريات لم يعد يستقر كثيرًا في الذاكرة، وكأنّ ما نعيشه ليس إلا سرابًا عابرًا في صحراء قاحلة، تظهر هنيهة ثم يضمحل.

وقد جئت إلى حديث الذاكرة والذكرى، على إثر موقف حصل معي منذ عدة أشهر، واستشعرت شيئًا غريبًا، ففي لجة العمل حينها، غبت عن الأولاد نحو يومين أو ثلاثة متتابعين، إلى جانب أيامٍ كثيرة كنت أراهم صباحًا لدقائق قليلة.. وفي حمأة الضغط والانشغال، أرسلت إليهم حينها رسالةً صوتية، أطمئن عليهم، ولي عادة -ربما هي عند بعضكم- أن أستمع إلى التسجيل بعد إرساله، وبعد عدة ثوانٍ من الاستماع، أحسست للوهلة الأولى أنني أسمع صوت أبي بدلًا عن صوتي، وكأنني هو، وكأن دعواتي التي أقولها لأبنائي، قبسٌ من دعواته لي ولهم، وقد أعدت تشغيله حينها مرة ثانية، إنه صوته، والله... ولكنه بلساني ومن فمي، ومن هاتفي وليس من هاتفه، كيف أستمع إلى صدى صوت أبي في صوتي، وبيني وبينه آلاف الأميال وقفار وبلاد وبحار، لم أتمالك نفسي حينها، وفي لجة الاشتغال تنحيت ركنًا قصيًا، تساقط فيها الدمع جنيا...

إني صدى صوتك يا أبي... نعود لنشبه آباءنا، شئنا أم أبينا، سنكون صورةً مصغرةً منهم، من صوتهم وكلامهم، من طريقة مشيتهم، من الشيب الذي استولى على هاماتنا، من همومنا التي كانت صغيرة جدًا، وما فتئت تكبر وتكبر حتى قاربت همومهم، ولكنها لن تبلغ مبلغها، وكيف نطاول قلبًا قد احتوى تلك السنوات الطوال، بالرخاء والشدة، بالحرب والسلام، بما عاشه من أحداثٍ جليلة، والهموم العظيمة، وكأن دورة الحياة تدور من جديد، فيصبح الابن أبًا، والأب ابنًا، هي سيرورة متصلة من الود والعطاء، وفصول متتالية في هذه الحياة. كلما كبر المرء فهم بشكلٍ أفضل موقع "الأب" وهواجسه وأفكاره، ويستشعر عظمة هذه الكلمة، ولا ريب في أن دخول الواحد منا مربع الآباء، يجعله ذلك يعي أكثر ما تفرضه من مهمات على الوالدين، ويُدرك ما كان لا يدركه في صباه الأول من طبيعة حب الأب؛ ذلك الحب الذي يتجلى غالباً في أفعالٍ صامتة وتضحياتٍ خفية، على عكس عاطفة الأم الظاهرة والجلية، وهذا ربما ما يفسر تأخر فهمنا لعمق مشاعر الآباء حتى نصبح نحن آباءً. فلا يصبح المنع عقابًا، ولا الحدود حرمانًا، بل مسؤولية وتربية، ولا يعني العطاء "الدلع" أو قلة التربية، بل هو الحب والعطاء، ويتحول كل ما كنا نراه فتيانًا تحكمًا بتصرفاتنا، إلى جزءٍ من سيرورة التربية مع أبنائنا.

وفي قصيدة جميلة للشاعر أحمد بخيت، يقول فيها: "إنا قصائدك الجميلة يا أبي *** الله أبدعنا وأنت رويتنا"، تؤكد الأيام، بأننا جزءٌ من آبائنا، وكثيرًا، ما أسأل، كيف شعورك وولدك يُشبهك هكذا؟، كيف تشعر وأنت تنظر إلى نفسك بعمرٍ آخر؟، وكأنك ترى نفسك في شخصٍ مختلف؟.. وإني أسرّ عندما يقولون بأنك تُشبه والدك، وبأن فيك كذا من الشبه من والدك، وكذا من الأوصاف من والديك، ولعمري هذا ما قصده الأديب الكبير الزيات بأن هذه الحالة وما يرافق الأبوة من مشاعر شفافة "وذلك كله انعكاس حياةٍ على حياة، وتدفق روح في روح، وتأثير ولدٍ في والد!؟". وإني أحب أن أقرن اسمي دائمًا باسم والدي أطال الله في عمره، وفي أي منصة يُمكنني فيها النشر باسمي الثلاثي لا أتوانى عن ذلك، علي حسن إبراهيم، وهو حسن علي إبراهيم، وكم كنت أستلطف هذه الثنائية اللطيفة بين اسمي واسمه، وما زلت، فإني بضعة منه، وقصيدة من قصائده، وما فينا من نعمة كانت جراء تعبٍ أرهقه، وسنواتٍ قضاها في الكدّ لأجل أسرته. وأستحضر الآن يديه التي تحمل أصدق آيات التعب، ودفء نظرة عينيه التي كانت تمنحنا الأمان، ووقار مشيته التي علمتنا الاستقامة؛ فسلام الله على كل قطرة عرق في جبينك يا أبي..

لا أعرف لماذا أكثر من استحضار الاقتباسات الشعرية في هذه التدوينة، ربما لأنها سجلنا الأعظم معاشر العرب، وربما لأن في هذه الأبيات تكثيفًا للمشاعر، لا يُمكن أن تتكثف في النثر، أو ربما إيرادها جزءٌ من هذا البوح الجبليّ، الذي أسطره حبًا بوالدي، وإيرادًا لبعض مكارمه، ألم يقل الشاعر "لا شيء يعدلُ في هذا الوجودِ أبا"، فوالدي كان له من اسمه نصيب، لم أرَ رجلًا في حياتي أشدّ التزامًا للصدق، وكُرهًا للكذب والتلاعب منه أمدّ الله في عمره. وقد كان حفظه الله عصاميًا، لم يكن لأحد عليه يد في تأسيس أسرته وعمله وكفاحه، بل كانت له على أناسٍ كثيرين أفضالٌ لا تخفى، مع نكران الكثيرين لها، ولكنه ما عبئ بها، ولم يُطعمنا -لله دره- إلا من الحلال، وبذل في سبيل ذلك ما بذل، وقد لمست هذه البركة في حياتي وأسرتي، بركة نرثها منه ونورثها لأبنائنا بعون الله تعالى.

وأعود إلى الشعر مرةً أخرى، ولكن مع هذا البيت الأخاذ للشاعر الرقيق عمر بهاء الدين الأميري رحمه الله في قصيدته "أب"، وكم مررت عليها إبان الصبا، وما كانت تُثير في نفسي حينها إلا إعجابًا بجمال اللغة وأنسًا بالقصيد، ولم ألتفت يومًا لما تحمله من شجنٍ خاص، وإلى ما تحتويه من كوامن نفس الوالد. ولكنني اليوم، كلما قرأتها، لا أمرّ على أبياتها إلا بدموعٍ سحساحةٍ وقلبٍ أسير، أقلّب معانيها ورقة التحنان فيها، وتطوف بخيالي صورتان، صورة أبي، وحال البيت بعد أن كبرنا وتفرقنا في دروب الحياة؛ وصورة أبنائي، وما حمله قلبي من حب لهم، وتعلقٌ بوالديّ بسببهم، وكأن الولد يزرع في والده حبًا جديدًا لوالديه، وهي مشاعر تتعاظم بلا ريب مع بُعد الديار، وتباعد المسافات تضرم هذه المشاعر أكثر.

وأختم هذه الشذرات، متأملاً في تلك السيرورة العظيمة التي جعلت مني أبًا، وجعلتك يا أبي تعيش في تفاصيلي، ولم يعد عجيبًا إذن أن أجدك في نبرة صوتي، وأن ألمح طيفك في كل دعوةٍ أبثها لأبنائي، وكأنها لقيا عمرها بضع عشراتٍ من السنوات، ألتقي فيها بك يا أبي في صدى صوتي وصوتك، ولأستمد منك العزم والمواساة كلما أثقلتني مسافات الغربة. وسأبقى أستمع إليك وأنت تنطق بلساني، مقرًّا بفضلك، وعاجزًا عن إيفائك حقك، ومرددًا بلسان المحبّ الذي يُدرك عظم موقع الأب وموقع الأبوة بلسان الشاعر: لم يَحنِ ظهرَ أبي ما كانَ يَحمِلُهُ لكنْ ليحملني منْ أجليَ انحدبا مهما كتبتُ بهِ شعراً فإنَّ أبي في القدرِ فوقَ الذي في الشعرِ قد كُتبا