الدهشة المفقودة، وأحلامنا المتشظيّة
٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦

«شيئًا فشيئًا، لم أعد ذلك الشخص الذي يحلم بالرغبات الكبيرة. صرت أقف بين العالم الذي أريده، وعوالم لم أصل إليها، والجسر بينهما من زجاجٍ مهشّم، وأحلامي متناثرة على جانبيه.»
أعادتني أغنية لحمزة نمرة سمعتها مؤخرًا إلى شجوٍ قديم، كنت قد حاولت الابتعاد عنه، وعن أحاديث وأحداث، وعن تلك الخفقة التي ما عدت أشعر بها، فلم تعد الدهشة تُثير في نفسي ما كانت تتركه فيّ فيما مضى من الأيام. ربما هو الاعتياد، أن يألف المرء ما يقوم به، ويعتاد عليه، فتتحول تلك الدهشة إلى اعتيادٍ رتيب، وتستحيل الأهداف والطموحات، إلى عملٍ متواصل آليّ، لا رغبة فيه ولا متعة، ولن أقول: ولا غاية؛ فالغايات تظل كامنة في مواضع بعينها، تقدح شرارة هنا أو هناك، ولكنها لا تتجاوز ذلك الانقداح، وأجزاء بسيطة من الوقت، في ومضة أو أقل من ذلك، وما كان ذلك الاستمرار اتكاءً على قدرات خارقة، إنما هي عادة، يستمرّ بها المرء، ويسير بها ومعه، أما تلك الرغبات الكبيرة، تتخشب رويدًا رويدا، حتى تحول إلى نصب تذكاري عتيق، لا يبقى منه إلا تلك التفاصيل الصغيرة، التي تجسد تلك الغايات، ولكنها لا تُعيدها.
أعود إلى الأغنية، وقد أسرّ لي صديق عزيز بأن نمرة متخصص في "النكد"، وكيف لا وكثيرٌ مما تسمعه له يُثير فيك من اللواعج والأحزان، ما ظننت أنه قد مضى وانقضى، ولا شك أن تلك الأغاني تحوي عذوبةً ورقة، وأرجو هنا ألا يقيّمني أحدٌ فنيّا، أو يصنّف ذائقتي وفق ما يراه، فقد جرت عادتي على عدم البوح بهذه الاختيارات الشخصية، لا لشيء إلا لتلك الوصمة الخفية، التي ينشأ الواحد منا فيها، وعن المحظورات الكبيرة، حتى يصل الواحد منا، إلى مرحلة يشعر بأنه يمارس حياتين متناقضتين، معاذ الله أن تكون الحياة الأخرى فيها أيٌّ من المحرمات، ولكنّني أقصد تلك الاختيارات المتصلة بالفن والسينما، وغيرها، فبكل أسف كانت هذه القضايا لصيقة بسفاسف الأمور، وتزدريها الدوائر التي نشأت بها، ولي حديث عنها وعن أثرها في جذب الشباب إلى محاضن الخير، لعلّي أدونه عما قريب.
وحول تلك الأغنية لنمرة، لا أعرف لماذا أثارت في داخلي حزنًا غائرًا، ولكن عبارةً فيها شعرت بأنها تصفني بشكل دقيق، حين يقول بالعامية المصرية: "واقف في الأحلام تلملم، بس مش واقف مكانك"، ربما تصف هذه الجزئية حالي بشكل دقيق، ولكن المؤلم بحق أنني ومنذ زمن طويل ما عدت أحلم، لا أقصد تلك الأحلام الصغيرة التي تخطر على البال، أو الحاجات المختلفة، تغيير جهاز ما، أو شراء شيء للمنزل وغيرها، هذه ليس أحلامًا أصلًا، بل هي حاجات في سيرورة الحياة. ولكنني أقصد الأحلام الكبيرة، والأهداف العظيمة، التي تضاءلت شيء فشيئا، حتى خلت أنني فقدت القدرة على "الحلم"، ضمرت تلك الأفكار الكبرى، وما عدت الشخص الذي يريد أن يغيّر العالم، بل ووقفت حتى عن تغيير نفسي، أقف في المنتصف، بين عالمٍ أريده، وعوالم لم أصل إليها، والجسر بينهما من زجاجٍ متشظٍّ، تكسرت حوله الأحلام واحدًا تلو الآخر، كأنها حطامٌ أوله تحت قدميّ، وآخره هناك في بقعة بعيدةٍ جدًا، ما عدت قادرًا على رؤيتها...
يُعرف الروائي غابريل غارسيا ماركيز بأنه رائد الواقعية السحرية، في رائعته "مئة عام من العزلة"، وفي ذلك العالم الاستثنائي في "ماكوندو"، أتذكر ماركيز لأعود للحلم، أصبحت أقل خيالًا، وأكثر واقعية، هل نفقد الخيال كلما تقدّم بنا العمر. لا شك بأن الأحلام ضربٌ من الخيال، يمزج الواقع بما نراه لأنفسنا من موقعٍ أو إنجاز، في زمنٍ سيأتي، ويرتبط بالسعي في سبيل تحقيقه. ولكنني أعاني من فقدان الحلم، حتى ذلك الخيال لم أعد قادرًا عليه كما كُنت سابقًا، انطفأت الدهشة، وتهشمت الأحلام، وأصبحت الأحلام صورًا مكرورة من واقع نعيشه ونمله.
مرّ معي منذ مدة في أحد المقالات، ما مفاده أنّ أطفال الجيل الحاليّ، رُبما يكونون أقلّ الأجيال خيالًا، أهو لأنهم ينشؤون بين الشاشات، وهناك فرة في المعلومات، وإمكانًا لمعرفة الأشياء المحسوسة من دون الحاجة إلى تخيّلها، وهل يجري علينا ما جرى على أبنائنا، وهل نفقد تلك المسحة السحرية من بين أيدينا، حتى ذلك الخيال الماكوندي يذهب من غير رجعة...
تجري الأحلام علينا، كأنها هلوسات عابرة، وتجري الأقدار بإذن الرحمن، فيصل المرء إليها، أو يقترب منها، أو تأخذه دروب الحياة إلى طريقٍ آخر مختلف... ولكن الذي لم يعد يحلم، أو لم يعد يستطيع الحلم، ماذا يفعل؟
أتعبني هذا التساؤل، وها أنا جالس في مقعد القطار (الميترو) في واحدة من أعظم مدن الدنيا، أتطلع إلى من يحيط بي من الناس، وأسأل نفسي، هل يحلمون؟ وهل وصلوا إلى ما كانت نفوسهم تصبو إليه في وقتٍ مضى؟ أم أن الحلم لم يعد يعني لهم شيءً، وتمضي الجموع في تحركٍ لا يتوقف.
كلما مر العمر ازداد ثقل الأحلام المبعثرة، وأضحت التناقضات ما بين المأمول في تلك الأحلام الماضية، ووقائع الحياة المشتتة، أكثر إرهاقًا، ووقائعها حاضرة في طيات تفاصيل الحياة اليومية، فهل النكوص عن الأحلام فعل إراديّ، أم هو هروب من معارك كثيرة لا يريد المرء أن يخوضها، عدا أن يخسرها، فيبني الجدار تلو الآخر، ويقمع نفسه ويقول متعللًا لم أعد أحلم، أو لا أريد.
أعرف تمام المعرفة أن أفكاري مبعثرة، وأنها غير متسقة، وما زلت أعاين نفسي وأتبصر فيها، ولم أرغب في التوقف عند العوامل الخارجية المؤثرة، وأولئك الذين يُجهضون الأحلام، ويئدونها من دون أن يرف لهم جفن، ومن دون أي تأنيب ضمير، فهؤلاء يستحقون بسطًا في الحديث وتفصيلًا في بوحٍ قادم، يقرّع ويصف، أو يقرّع فقط..
وفي نهاية المطاف، لا أملك إلا أن أقول لنفسي ولكم: تمسّكوا بأحلامكم، عضوا عليها بالنواجذ، فلا يدري أحدنا متى يأتي الفرج، وأقول لنفسي ولكم:
سيفتحُ اللهُ باباً كنتَ تحسبهُ..
من شدة اليأسِ لم يخلق بمفتاحِ
