لبنان بين الأمس واليأس
٧ أغسطس ٢٠٢٥

بين أحضان الطفولة وصدمة الحاضر، يروي زائر عائد إلى لبنان بعد غياب 4 سنوات مشاهداته للتغييرات التي طرأت على البلاد. من شيوع السخط إلى انتشار النرجيلة.
ما أكتبه ليس ذمًّا عامًّا، ولا أريد أن يحسبه القارئ الكريم تركيزًا على المثالب، وتسليطًا للضوء على المشكلات، فمن دون شك، لا يمكن اختزال جغرافيا كاملة، ولا شعب بأطيافه وأفكاره واختياراته بمشاهداتٍ فقط، بل هي محاولة لإبراز بعض الصور والمشاهدات، في زيارتي الأولى للبنان بعد انقطاع نحو 4 سنوات، عدت إلى محاضن الطفولة ومراتع الصبا، ومنازل الأهل والأصحاب والخلان، ففوجئت بالكثير من التغييرات، وشيوع المزيد من العادات، أحاول تسجيلها ها هنا، ربما أسجلها لنفسي، أو للبحث عن شيء ما، عن مدينة الطفولة التي توارت، أو عن ميدان الأحلام الذي ابتلعته صوارف الدهر، أو عن نفسي التي لم تعد كما كانت، وما زلت حتى اللحظة أفتش عن ضالتي، ربما تؤثر الغربة على أحدنا، فيُصبح أكثر حساسية تجاه ما غاب عنه، أو ربما البُعد يعطي مساحة أكبر للتفكر، فما كنا نراه عاديًّا، أصبح ظاهرة تستحق الكتابة والبيان، وعلى كل حال هذا جزء مما عايشته بين يديكم.
شيوع السخط
لا شك قد مرَّ على هذا البلد -أي لبنان- مشكلات متتابعة، ففي الأعوام القليلة الماضية، شهدت هذه البلاد انفجار مرفأ بيروت، وما تركه من آثار كبيرة جدًّا، ومن ثمّ انهيار العملة، والأزمة الاقتصادية، والحجز على أموال المودعين في المصارف، وما يتصل بهذا الواقع الاقتصادي الصعب من تضخم وغلاء، وقلة الرواتب، وضيق ذات اليد، وانعكاس كل ذلك على أساسيات الحياة، من كهرباء وماء وطعام... ومن ثمّ العدوان الإسرائيلي الأخير، واستهداف الجنوب بشكلٍ محموم، وضرب بيروت مرارًا وتكرارًا، وغيرها الكثير من الأحداث، وهي بطبيعة الحال مشكلات أثرت على شرائح واسعة من اللبنانيين، وعلى حياتهم، ونمط استهلاكهم، وطريقة عيشهم. ولكن السمة المشتركة التي عاينتها، لدى جزء لا يُستهان به، حالة السخط من كل شيء، وشيوع الحديث عن هذه المشكلات بشكلٍ كبيرٍ جدًّا، فلا يكاد مجلس يخلو من ذلك، فيخال الواحد منا أن الإشكاليات هي السمة الوحيدة، ولا أنفي أن الحديث جزء من تفريغ المرء، ولا ألوم من يتحدث عنها، بل أميّز هنا بين الحديث المشروع، والسخط المُفرط، فيُمكن أن يتحدث شخص لا تعرفه عن هذه المشكلات، ويذكرها في سياق الحمد والصبر، والمقارنة بأهلنا في غزة وما جرى معهم، ويختم حديثه بأننا في نعم كبيرة جدًّا، بينما يقاربها شخصٌ آخر، من منطلق السخط، والدخل لا يكفي، والحياة صعبة، وماذا يستطيع المرء أن يفعل أكثر، ولماذا يجري علينا هذا نحن فقط... إلخ، وهناك من دون شك فارق كبير بين الخطابين.
النرجيلة الحاضرة الدائمة
لقد شاعت في السنوات الماضية "النرجيلة" بشكلٍ كبيرٍ جدًّا، حتى دخلت كل بيت، ولم تغب عن أي مجلسٍ إلا ما ندر، فلا تكاد تذهب إلى أماكن النزهة، سواء أكانت شواطئ البحر أم ضفاف الأنهار، إلا وترى غيوم النرجيلة تظلل الجالسين، وترافق أسمارهم وأحاديثهم، حتى أصبحت لازمة من لوازم المنزل، والمقهى والمطعم، ولا أحدثكم عنها من حيث الضرر ولا لمظهرها، ولا أحاكم من يشربها، فليس لي ذلك ولا أريده ولكن غيومها المزعجة لا تقف عند الذي يتلقف دخانها في جوفه، فلا ريب تصل إلى الجالسين، وتؤذيهم، خاصة المرضى منهم، وقد عاينت انتشارها بشكلٍ كبير جدًّا، حتى أضحت واحدةً من لوازم أي لقاء عند الكثير من الناس، بمختلف الشرائح الاجتماعية، بل تجد صاحب المحلّ التجاري، يجلس على الرصيف أمام دكانه أو محله، يدخن النرجيلة، ويقلب في المقاطع القصيرة على هاتفه.
التغيير إلى الأسوأ
تشكل الفترات الزمنية المتباعدة فرصة لتبيان مقدار أي تغيّر يحصل، إن كان على شكل الإنسان أو على وجه المدينة وسوى ذلك من شؤون، وفي المدن خاصة، لا يكاد المرء يعاين افتتاح محال جديدة، وشق طرق أخرى أفضل وأحدث، وهنا ترميم، وفي ذلك المكان القصي جسر يسهل المرور، وما بين هذه الأماكن تفاصيل كثيرة جدًّا، وهو حال الدنيا أن تتغير وأن تواكب حاجات الناس، وتطلعات الشعب، لا أن تظلّ المشكلات كما كانت، بل تزداد وتتعمق. وهو ما عاينته في الأيام التي قضيتها في طرابلس والشمال على وجه الخصوص، فالتغيير وإن حصل، لا يحصل إلا إلى الأسوأ، فكل ما في المدينة بقي على ما هو عليه، لم أكد أعاين تغييرًا يُذكر، اللهم إلا في بعض المعالم الأثرية التي رُممت بجهودٍ مشكورة من دائرة الأوقاف، أما ما عدا ذلك، فكُلّ ما في المدينة يتقادم بصمت، وترزح عليه سمة العمر، من الأبنية والشوارع والأرصفة، معالم المدينة تشيخ ببطء غريب، وكأن الحياة توقفت عندها. أما الأطراف، وما يُعرف بالمناطق الشعبية، وجدت أنها ازدادت عشوائية، فقد تصاعدت فيها مخالفات البناء بشكلٍ غير مسبوق، لا أقيّم أو أعاير، وأعلم أن هنالك حاجات أحيانًا دفعت بعض الناس، كما دفع الطمع بعضهم الآخر، ولكنني أخشى على سكان هذه العمائر القديمة من عوادي الدهر، وانهيارها كما حدث في كثيرٍ من الأوقات، فأبنية عمرها نصف قرنٍ وأكثر، أُضيف عليها الطابق والاثنان، كيف ستستطيع الصمود في وجه العوامل الطبيعيّة، أو كيف ستستمر في ظل الأثقال الضخمة التي أُضيفت عليها.
الليل الكالح.. المخيف
من أكثر ما راعني في هذه الأيام، أن مدينة ضاربة في التاريخ والحضارة، أترعت بالدول والأقوام مثل طرابلس تتوقف فيها الحياة قبيل غروب الشمس بقليل، فلا تجد فيها محلًّا يفتح أبوابه إلا ما ندر، ولا شارعًا مضاءً إلا القليل، ولا تجد فيها من أوجه الحياة، إلا ما ارتبط بالمقاهي والمطاعم، وفي مناطق محددة، يعرفها أهل المدينة، أما سوى ذلك فيبتلعه الصمت والظلام، وفي بعض الحالات الخوف. نعم لم يكن في طرابلس حياة في الليل، فهي ليست القاهرة أو دمشق، ولكن المدينة أصبحت مفزعة في الليل، ومع أخبار الحوادث والسلب والنشل، التي انتشرت في فترات ماضية، يُدخل المسير ليلًا في أزقتها منفردًا أو مع صحبة الخشية إلى النفس، والوجل إلى القلب بشكلٍ لا إراديّ، والأوبة المبكرة إلى المنزل ضرورة، ولا مناص منه إن لم يكن مع المرء سيارة، تسهل عليه تحركاته، فحتى النقليات لعموم الناس تكتنف أخطارًا، يعرفها من يعرف أخبار الحياة في الليل.
موت المدن
لم أرد أن أقول إن المدينة التي أعرفها قد ماتت، ولكن طرابلس التي عرفتها، ومشيت في أزقتها، وطفت في أحيائها، ومشيت في شوارعها عشرات المرات، منذ بدايات الشباب وحتى الانتقال إلى المغترب، لم تكن هي طرابلس التي رأيتها في هذه الزيارة، نعم المدن لا تموت، ولكنها تمرض وتعاني، وتدخل في حالة أشبه ما تكون بالموت السريري، عندما تقف فيها عجلة الحياة، وتُصبح مدينة غير مؤثرة، ولا يحيا فيها الإنسان بكرامة تحفظ عليه ما بقي له في هذه الحياة. أحنو على طرابلس، إذ أشعر بأنها تشبهنا كثيرًا، ولكن تقسيمها إلى أجزاء متنافرة الشكل والمضمون والطبقات الاجتماعية واقعٌ صعب جدًّا، لم تعد طرابلس في ألقها، وربما تعود يومًا ما، ولكنها في ظلال الراهن في حالة يرثى لها، وأرجو أن أكتب قريبًا عن عودتها.
وأختم بما قاله لي أحد الأصدقاء، بأنه هنالك على أرض الواقع "لبنانٌ" يعاني كل شيء، ويذمّ من يعيش فيه كل ما فيه... و"لبنانٌ" آخر على وسائل التواصل الاجتماعي، فيه من الجمال والترفيه والمال ما فيه، ففي أيّ لبنانٍ أنت، أقول لك من أنت..
